قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
رياح الثورة
ما أن هلك معاوية إلا وامتطى دست الحكم ابنه يزيد ، فأمر ولاته بأخذ البيعة له على الناس ، ولا سيّما الحسين (ع) على وجه الخصوص ، لقناعة البيت الاموي بأنّه عنوان الصمود الراسخ الّذي لا يتزعزع . وعلى الفور كتب يزيد إلى واليه على المدينة الوليد بن عتبة أن يأخذ البيعة له من أهل المدينة بشكل عام ، والحسين (ع) بشكل خاص ، فرفض الامام الحسين ذلك بقوّة . وقد أوضح الامام الحسين (ع) رفضه لبيعة يزيد ، قائلاً للوليد واليه على المدينة : (ويزيد، رجلٌ فاسق، شارِب الخمر، قاتِل النّفس المحرّمة، مُعلِن بالفسق، ومثلي لا يُبايعُ لِمثلهِ) (133) . وفي المقابل بيّن الامام الحسين (ع) مواصفات القائد الّذي تجب له البيعة ، في رسالته لأهل الكوفة قائلاً : (فَلَعمري ، ما الامام إلاّ الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الدائن بدين الحقّ ، الحابس نفسه على ذات الله) (134) . ومن هنا بدأ مسار الرفض لسياسة الغدر والتنكيل الامويّة تتصاعد نحو الذروة ، وعزم الامام الحسين (ع) على مواجهة مسؤولياته الرسالية المعدّة له، باعتباره إمام الاُمّة الشرعي وقائدها الأمين على رسالتها الغرّاء. قصد الامام الحسين (ع) قبر جدّه الرسول (ص) وصلّى عنده ركعات ثمّ دعا ربّه تعالى : (أللّهمّ إنّ هذا قبر نبيّك محمّد (ص) وأنا ابن بنت نبيّك ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت ، اللّهمّ إنّي أُحبّ المعروف وأُنكر المنكر ، وأسألك يا ذا الجلال والأكرام بحقّ القبر ومَن فيه إلاّ اخترت لي ما هو لك رِضىً ولرسولك رِضىً) (135) . ويعجِّل الامام الحسين (ع) بجمع أهل بيته وأصحابه المخلصين ويبلِّغهم بوجهته ومسيره إلى حرم الله ، مكّة . ويكثر المعترضون ، ويلحّون عليه بتغيير الوجهة والمسار ، حفاظاً عليه من القتل ، في حين دعاه آخرون إلى الخنوع لضعف في النفوس وخور في العزيمة ، ولكن عزم الحسين (ع) على نصرة الحقّ لم يثنه وعيد أو اعتراض أو سواهما . سار موكب الحسين (ع) إلى مكّة المشرّفة ، ولسانه لهج بذكر الله وقلبه عامر بحبّ الله ، فدخلها وهو يتلو قوله تعالى :(وَلَمَّا تَوجَّهَ تِلقاءَ مَديَن قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهديَني سَواءَ السَّبِيل ) ، فنزل دار العبّاس بن عبدالمطلّب ، وزحفت إليه جموع المؤمنين من أهل مكّة ومن القاصدين إليها احتفاء بمقدمه . وانتشر خبر خروجه من المدينة ورفضه لبيعة يزيد ، وبدأت الوفود والرسائل المؤيدِّة له تفد عليه من أرجاء شتى ، وبدأ الامام يبعث بالكتب والرسائل الجوابية يدعوهم للثورة، وإسقاط سلطة يزيد وخلع بيعته الّتي اُخِذَت بالقهر والارهاب والرشاوي والتحايل، وكان من آثار هذا التحرّك أن دبّت روح الثورة في العراق . وبينما كان الامام (ع) يتابع أصداء تولِّي يزيد للحكم في أقاليم الدولة الاسلامية ، ترامت إلى سمعه الأنباء من أنّ الكوفة عاصمة العراق تشهد تحرّكاً ثوريّاً وهزّةً سياسية ذات بال . فقد تحرّكت قوى المعارضة بعد طول كبت واضطهاد ، ورأت أنّ الفرصة قد حانت للانعتاق من نير السياسة الطاغية ، وعقدوا اجتماعاً طارئاً لتدارس الموقف المتفجِّر في الكوفة ، وما تفرضه عليهم المرحلة بعد تولِّي يزيد بن معاوية الحكم . وبعد اتفاق الكلمة واجتماع الرأي على بيعة الحسين (ع) ، كتب زعماء الكوفة كتاباً ضمّنوه رفضهم للحكم الأموي جملة وتفصيلاً ، وأنّهم لا يرضون بديلاً للحسين قط ، ثمّ توالت الكتب من الكوفة تحمل دعوتهم الملحّة للامام (ع) للحوق بالكوفة خليفة وإماماً للمسلمين ، وقد بلغ الأمر بالناس هناك أن رفعوا إلى الامام قوائم بأسماء العشائر الّتي تنتظر قدومه في الكوفة ، حيث بلغ تعدادها مائة ألف مُقاتل (136) . اقتنع الامام الحسين (ع) بضرورة إرسال نائب عنه ، لأخذ البيعة من أهل العراق ، فاختار (ع) ابن عمّه مسلم بن عقيل الرجل التقي الفذ . إستقبلت الكوفة مسلماً استقبال الولاء والطاعة ، وعقدت البيعة للحسين (ع) عن طريقه ، بشكل جعل مسلم بن عقيل يقتنع أنّ ذلك التحوّل لصالح أهل البيت (ع) ورسالة الله تعالى . من هنا ارتأى مسلم عليه الرحمة أن يبعث تقريراً للامام (ع) يوضِّح من خلاله مسار الحوادث وحقيقة الموقف ، فكتب إليه : ( أمّا بعد ، فإنّ الرائد لا يكذب أهله ، وإنّ جميع أهل الكـوفة معك ، وقد بايعني منهم ثمانية عشر ألفاً ، فعجِّل الإقبال حين تقرأ كتابي هذا ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ) (137) . على أنّ الامام الحسين (ع) فى ذات الوقت رأى أن يُفاتح رجالات أهل البصرة بموضوع تصدِّيه للانحراف والظلم ، فكاتبهم بذلك وكانت إجابة يزيد بن مسعود النهشلي ، أروع إجابة وأخلصها ، حيث عبّر عن ولاء آل تميم وبني سعد لأل البيت (ع) ، غير أنّ المؤلم أن تصل رسالته والحسين (ع) في ساحة الجهاد على صعيد الطف . وهكذا تأخّرت جحافل النهشلي عن نصرة الحقّ ، حتّى أنّه حين بلغه أمر استشهاد الحسين (ع) بعد ذلك فزغ ولفظ أنفاسه،لفوات فرصة نصرة سبط الرسول(ص)وعدم المساهمة فيها.
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|