اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
نكوص أهل الكوفة
في البدء اُصيبت سلطة الحزب الاموي في العراق بذعر شديد وهي ترى الانتصارات المظفّرة لصالح الامام الحسين (ع) ، فكتبوا كتاباً إلى سيِّدهم في الشام يزيد بن معاوية يحيطونه علماً من خلاله بكلّ التطوّرات الّتي استجدّت في الكوفة . إضطرب يزيد للنبأ ، فأشار عليه مستشاره الخاص سرجون أن يقلِّد عبيدالله بن زياد ولاية الكوفة ، لشدّة قسوته وتمرّسه في إزهاق الأرواح ، وعدم اكتراثه لمعاني الرحمة والعطف ، ولِحقده الأسود على آل رسول الله (ص) . تلقّى ابن زياد عهد يزيد ، فخلف أخاه على البصرة وأسرع إلى الكـوفة في فرقة من الجيش قوامها خمسمائة رجل ، كما استصحب في مسيره بعض زعماء أهل البصرة ، ممّن لهم تأثير نفسي قوي على القبائل في الكوفة بسبب روابط القربى . وفي الكوفة بادر ابن زياد إلى جمع الناس ، وألقى فيهم أوّل بيان له ضمّنه إغراءاته العريضة ، كما ضمّنه تهديداته الصارمة الّتي لا تعني غير الموت ، لكلّ انسان يقف في وجه الظلم الاموي . ثمّ أمر القائمين على اُمور القبائل والناس أن يقدِّموا كشوفاً بأسماء الّذين خرجوا عن الخطّ الاموي المرسوم ، وإلا فإنّ عقوبته الصلب على باب داره . وهكذا ساد الكوفة جوٌّ إرهابي أحمر ، فانقلب ميزان القوى لصالح البيت الاموي ، حيث تمّ اعتقال زعماء شيعة أهل البيت والموالين لحركة الاسلام الّتي يقودها الامام الحسين (ع) . وأشاع ابن زياد في الناس عن طريق جواسيسه والموالين له، أنّ جيشاً أمويّاً هائلاً على أبواب الكوفة ، وثارت ثائرة الاشاعات في المدينة ، وضخّمت النفوس المهزومة تلك الاشاعات، وضاعفت منها، وكثر اللّغط، وانتشر الرُّعب، وصارت المرأة تمنع ابنها وتُلزمه على الفرار، والرجل يمنع ابنه وأخاه (138) ، حتّى فرّ الكثير من جيش مسلم ، واستبدّ الذعر بغيرهم . ولعبت المطامع ونجحت محاولات التخذيل ، حتّى لم يبق ملازم لمسلم غير ثلّة من المخلصين ، إذ خاضوا معه غمار حرب الشوارع ، واتّخذوا من محلّة (كندة) في الكوفة قاعدة لثباتهم . أبدى مسلم شجاعة نادرة قلّ نظيرها ، وقاتل قتال الأبطال إلى أن كثرت الجراح ، فاُسِرَ وقُتل ، فقضى شهيداً من أجل الله ورسالته ، وفقدت الحركة بذلك أعظم قياداتها المبدئيّة في العراق . كما قتل ابن زياد ، هانئ بن عروة ، وكان من زعماء الكوفة الّذين نصروا مسلماً وأيّدوه .
|
|