اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
في كربلاء
في الثاني من محرّم الحرام سنة 61 هـ ، حلّ الحسين (ع) وصحبه وأهل بيته الأبرار في عرصات كربلاء ، ليكون رمزاً خالداً للأحرار ، وشعاراً للثائرين على مرّ العصور والأجيال . أمّا السلطة الامويّة ، وعلى رأسها عبيدالله بن زياد في الكوفة ، فراحت تبعث قوّاتها وتعبِّئ طاقاتها العسكريّة ، فانتدب ابن زياد عمر بن سعد لقيادة الجيش . اعتذر عمر بن سعد في البداية لانّه كان يعلم مكانة الحسين (ع) من رسول الله (ص) ، إلا أنّه خضع بعد ذلك لتهديد ابن زياد بسحب العهد المكتوب له بولاية الريّ ، وقد سُمع عمر بن سعد وهو يردِّد الشعر : أأتركُ ملكَ الرّيّ والرّيّ رَغبتي *** أم أرجع مذموماً بقتلِ حُسين وفي قتله النارُ الّتي ليس دونها *** حِجابٌ ومُلكُ الرّي قُرَّة عَيْن(140) وليس عمر بن سعد إلا نموذجاً للرِّجال الّذين قاتلوا الحسين (ع) ، وما يحملونه من دوافع دنيئة ، وأهداف حقيرة في محاربته . وهكذا هانت عليه نفسه ، وقبل التكليف ، وتحرّك بجيشه المكوّن من أربعة آلاف مقاتل نحو نينوى لقتال الحسين (ع) . وصل عمر بن سعد إلى كربلاء وأحاطت قوّاته مخيّم الحسين (ع) ، وفتح الحسين معه حواراً ، ووصلا إلى اقتراح بأن يترك الامام الحسين العراق دون معركة وإراقة دماء . وكتب عمر بن سعد بذلك الاقتراح إلى ابن زياد ، وحمل جواب ابن زياد شمرُ بن ذي الجوشن ، وهو من ألدّ أعداء أهل البيت (ع) ، وكان ممّا جاء في الرسالة : ( أنظر فإن نزل الحسين وأصحابه على حكمي واستسلموا ، فابعث بهم إليّ سـلماً ، وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتـلهم وتمثِّل بهم ، فانّهم لذلك مستحقّون ، وان قُتِلَ الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ... ) (141) . وهكذا يصرّ منطق ابن زياد الجاهلي على إراقة الدِّماء والتمثيل بالقتلى، كما هو شأن أسلافه في جاهليّة قريش ، الّذين مثّلوا بالحمزة عمّ النبيّ (ص) من قبل . إذن لا مناص من المواجهة ، فالحسين (ع) لا عودة له ولا رجوع عن القرار : ( إنّ مثلي لا يُبايع يزيد ) . فإن كان ولا بدّ ، فما زال يردِّد القول : (لا أرى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظّالمين إلا بَرَما ) . وما زال يحمل شعاره الّذي ورثه عن رسول الله (ص) ، وخاطب به الجيش الاموي قبل أيّام : (أيُّها الناس ! إنَّ رسول الله (ص) قال: مَن رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله ، ناكثاً لعهده ، مخالفاً لسنّة رسول الله (ص) ، يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان ، فلم يغيِّر ما عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يُدخله مدخله) (142) . يئس الحسين (ع) من هذا القطيع المسلوب الوعي والارادة ، اللاهث وراء المغانم والحطام ، فطلب من أخيه العبّاس أن يفاوضهم على إعطاء الحسين (ع) مهلة تمتد طوال ليلة العاشر من المحرّم ، ليعطي قراره الحاسم ، عرض العبّاس ذلك الطلب فوافق عمر بن سعد وأركان جيشه أن يمهلوا الحسين (ع) ليلة واحدة .
|
|