اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
ليلة العاشر
ولم يكن طلب الحسين (ع) تأجيل قراره إلى غد لغرض التفكير في الأمر وحساب الموقف ، فانّه قد فرغ من ذلك ، وبدا كلّ شيء أمامه واضحاً ، إنّما أراد أن تكون هذه اللّيلة ـ وهي آخر ليلة من الدُّنيا ـ ليلة عبادة ودعاء وليلة وداع ووصيّة مع الأهل والأحبّة ، فهو يدري ما يخبئه الغد ، لذلك خاطب أخاه : (ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخِّرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا العشيّة لعلّنا نصلِّي لربّنا اللّيلة ، وندعوه ونستغفره ، فهو يعلم أنّي قد كنت أُحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه ، وكثرة الدُّعاء والاستغفار) (143) . جنّ اللّيل ، وأرخى الصمت سدوله ، وهدأت الطير والهوام ، ونامت جفون الخلائق كلّها ، إلا آل محمّد (ص) وأنصارهم ، باتوا ليلتهم بين داع ومصلٍّ، وتال للقرآن ومُستغفر، وبين مودِّع وموص بأهله وبأبنائه ونسائه، فكان لهم دويّ كدويّ النحل ، وحركة واستعداد للقاء الله سبحانه ، يصلحون سيوفهم ، ويهيئون رماحهم . باتوا تلك اللّيلة ضيوفاً في أحضان كربلاء، وبات التاريخ أرِقاً ينتظر الحدث الكبير وما يتمخّض عنه ميلاد الصباح ، فغداً سَيُخطُّ بمداد الدمّ المقدّس أروع فصل كُتِبَ في عمر الانسان . الحسين (ع) يودِّع أهله وأحبـابه ، ويزور السـجّاد وسكينة وليلى والرباب والباقر الصغير (ع) ، وبقيّة أهل بيته ، ويوصي آخر وصاياه ، ويعهد بآخر عهد له ، وقد استسلم للقدر ، وباع نفسه لله وقرّر أن يسقي شجرة الهدى والايمان بغزير دمه وفيض معاناته .
|
|