اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
الاُولى : إستكمال الشوط الرسالي الّذي بدأه الحسين (عليه السلام) :
كان بنو اُميّة والضالعون في ركابهم ، مدركين تماماً ما للحسين (ع) وآل البيت من مكانة لا تضاهيها مكانة في نفوس المسلمين ، وكانوا يعلمون أنّ قتل الحسين (ع) وأصحابه في كربلاء سيثير سخط المسلمين عليهم ، ومن أجل ذلك خطّطوا للتعمية وبذلوا كلّ وسعهم لاثارة الضباب حول القضيّة، لكي يمتصّوا أيّ ردّ فعل متوقّع ، لا سيّما في بلاد الشام حصنهم القوي . وهكذا سخّروا أجهزة إعلامهم المتاحة يومذاك ، حتّى أوصلوا الناس إلى حدّ القناعة بأنّ الحسين (ع) وصحبه إنّما هم من الخوارج . وقد كان مقدّراً لتلك الدعاية أن تنجح في الشام إلى أقصى حدّ ممكن ، ممّا كان يفرض القيام بما من شأنه أن يفشل الدعاية الامويّة ، وأهدافها المسعورة ، ويكشف بحزم عن أهداف ثورة الحسين (ع) وعن مكانته بالذات في دنيا المسلمين ، وهكذا كان . تبنّى الامام السجّاد (ع) وكرائم أهل البيت كزينب واُمّ كلثوم وغيرهما، سـياسة إسقاط الاقنعة الّتي يغطِّي الامويون وجوه سـياستهم الكالحة الخطيرة بها، وتحميل الاُمّة كذلك مسؤوليتها التاريخيّة أمام الله والرسالة. ففي الشام ، وعند دخول سبايا آل الرسول (ص) دنا شيخ من الامام السجّاد (ع) ، وقال له : الحمد لله الّذي أهلككم وأمكن الامير منكم . فأجابه الامام (ع) : يا شيخ أقرأت القرآن ؟ قال الرجل : بلى . قال الامام (ع) : أقرأت : (قُل لاَ أَسـأَلَكُم عَليه أَجْراً إِلاَّ المودَّة في القُرْبى )؟ وقرأت قوله تعالى (وَآتِ ذَا القُربَى حَقَّه ) ، وقوله : (وَاعلَموا أَنّ مَا غَنِمْتُم مِن شَيء فَأِنَّ للهِ خُمسه وَلِلرَّسول وَلِذِي القُرْبَى ) ؟ قال الشيخ : نعم ، قرأت ذلك . قال (ع) : نحن والله القُربى في هذه الآيات . ثمّ قال الامام (ع) : أقرأت قوله تعالى : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الَبْيتِ وَيُطَّهِركُمْ تَطْهِيراً ) ؟ قال الشيخ : بلى . فقال الامام : نحن أهل البيت الّذين خصّهم الله بالتطهير . قال الشيخ : بالله عليك أنتم هم ؟ قال (ع) : إنّا لَنَحنُ هم من غير شكّ . فأَسِفَ الشيخ على ما مضى من قوله ، وتبرّأ إلى الله من آل اُميّة وحزبهم (164) . ومن أجل كسر التعتيم الاعلامي الاموي وفضح جرائم يزيد ، وقف الامام السـجّاد في دار الحكم الاموي ، وبحضور يزيد بن معاوية وكل معاونيه من رؤوس التحريف والضلال ، وألقى بيانه الخالد معرِّياً سياسة الامويين الضالّة الدمويّة ، ومبيِّناً مَنْ هم السبايا ، وأي مقام رفيع يمثِّلون في دنيا الاسلام ، وقد جاء في بيانه : ( أيُّها الناس ! اُعطينا ستّاً وفُضِّلنا بسبع ، اُعطينا : العلم ، والحلم ، والسماحة ، والفصاحة ، والشجاعة ، والمحبَّة في قلوب المؤمنين . وفُضِّلنا : بأنّ منّا النبيّ المختار ، والصدِّيق ، والطّيّار ، وأسد الله ، وأسد رسوله ، ومنّا سيِّدة نساء العالمين فاطمة البتول ، وسبطا هذه الاُمّة . أيُّها الناس ! مَنْ عرفني فقد عرفني ، ومَنْ لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي . أيُّها الناس ! أنا ابن مكّة ومنى ، أنا ابن زَمْزَمَ والصّفا ، أنا ابن مَنْ حَمل الرّكن بأطراف الرِّداء ، أنا ابن خير مَن ائتزر وارتدى ، وخير مَنْ طاف وسعى وحجّ ولبّى ، أنا ابن مَنْ حُمِلَ على البراق وبلغ به جبريل سدرة المنتهى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن مَن صلّى بملائكة السماء ، أنا ابن مَن أوحى إليه الجليل ما أوحى . أنا ابن فاطمة الزّهراء سيِّدة النِّساء ، وابن خديجة الكبرى ، أنا ابن المُرمَّل بالدماء ، أنا ابن ذبيح كربلاء ) (165) . وحين بلغ هذا الموضع من خطابه استولى الذعر على الحاضرين ، وضجَّ أغلبهم بالبكاء حين فوجئوا بالحقيقة ، ممّا اضطرَّ يزيد أن يأمر المؤذِّن أن يؤذِّن للصلاة ، ليقطع على الامام (ع) خطبته ، غير أن الامام (ع) سكت حتّى قال المؤذّن : «أشهد أنّ محمّداً رسول الله» إلتفت الامام (ع) إلى يزيد قائلاً : ( هذا الرّسول العزيز الكريم جدُّك أم جدّي ؟ فإن قلت جدّك ، علم الحاضرون والناس كلّهم أنّك كاذب ، وإنْ قلت جدِّي ، فلِمَ قتلت أبي ظلماً وعدواناً ، وانتهبت ماله ، وسبيت نساءه ؟ فويلٌ لكَ يوم القيامة إذا كان جدِّي خصمك ) . أمّا عقائل آل الرسول (ص) فقد مرّغن اُنوف بني اُميّة في الوحل ، وأسقطن كبرياءهم عمليّاً أمام الاُمّة الّتي يحكمونها ، تجد ذلك في خطبة زينب الكبرى الّتي ألقتها في مجلس يزيد في دمشق ، وفي المناقشات الحادّة الّتي دارت هناك .
|
|