اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
سياسة ردّ الفعل
تبنّى الحكم الاموي بقيادة عبدالملك شعار التصفية للوجود الرسالي،ونُفِّذت تلك الخطّة من خلال تعيين الجزّار الرهيب الحجّاج بن يوسف الثقفي والياً على الكوفة ـ عاصمة أهل البيت (ع) ـ . نشر الحجّاج في ربوع الكوفة الدّمار ، وأشاع الرّعب والموت ، فقتل المؤمنين على التّهمة والظّنّة ، وحسبنا وصفاً لتلك المأساة الرهيبة تحديد الامام الباقر (ع) لحجمها الدامي، بقوله: (ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم ـ يعني أتباع أهل البيت ـ كلّ قتلة ، وأخذهم بكلّ ظنّة وتُهمة ، حتّى أنّ الرّجل لَيُقال له زنديق أو كافر ، أحبّ إليه من أن يُقال له : شيعة علي) (168) . (مات الحجّاج في سنة خمس وخمسين بواسط العراق ... واُحصيَ مَن قتله صبراً سوى مَن قُتِلَ في عساكره وحروبه فوُجِدَ مائة وعشرين ألفاً ، ومات وفي حبسه خمسون ألف رجل ، وثلاثون ألف امرأة ، منهنّ ستّة عشر ألفاً مجرّدة ، وكان يحبس النِّساء والرِّجال في موضع واحد ولم يكن للحبس ستر يستر الناس من الشمس في الصيف ولا من المطر والبرد في الشتاء) (169) ، ممّا يجسِّد حجم المأساة الّتي عانى منها أتباع أهل البيت (ع) . على أنّ الموقف قد تأزّم بعد موت عبدالملك ، حيث تسلّم الوليد ابنه الأمر بعده ، في وقت صُفِّيت فيه المعارضة أو كادت ، ولم يبق غير الامام السجّاد (ع) متابعاً خطواته الاصلاحيّة في الاُمّة تثقيفاً وارشاداً ، وأمراً بمعروف ونهياً عن منكر . كان الأمر يؤرق قادة الحكم الأموي ذي الأهداف التحريفيّة للرسالة الإلهيّة ، ويثير مخاوفهم ، وقد أدركوا أنّ إيقاف مسيرة الامام (ع) تلك لا تتم بإرهابه . ومن هنا فإنّ خططهم اتّجهت لتصفية الامام (ع) ذاته ، وهكذا كان فقد اغتاله سليمان بن عبدالملك في عهد الوليد ، من خلال سمّ دسّه إليه . وبذلك اُسدِل الستار على عصر ذلك الامام العظيم (ع) ، بيد أنّ أفكاره وأهدافه بقيت حيّة نابضة بالحياة ، متدفِّقة بالخير والخصب والنماء ، تُسيِّر التاريخ الإنساني ، حاملة المشعل المتفجِّر بالفضيلة والهدى . فسلامٌ عليه وعلى الأئمّة الهداة الميامين من آبائه وأبنائه ، سلاماً دائماً مع الخالدين .
|
|