قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
السياسة الامويّة في عصر الباقر (عليه السلام)
رحل الامام السجّاد (ع) إلى جوار ربّه الاعلى سبحانه عام (95هـ ) ، فنهض الامام الباقر (ع) بأعباء إمامة المسلمين ، وقد امتدّت إمامته تسع عشرة سنة ، قضى زهاء السنتين منها في حكم الوليد بن عبدالملك، وسنتين في عهد سليمان بن عبدالملك ـ وهي مدّة حكمه ـ. ثم تولّى عمر بن عبدالعزيز قيادة الحكم الاموي ، فحدث تحوّل كبير في سياسة الدولة ، ورغم قصر أيّام الرجل المذكور في الحكم ، إلاّ أنّ مواقفه من أهل البيت (ع) كان فيها شيء من الاعتدال ، إذ عمل على رفع بعض أنواع الظلم الّذي لحق بهم ، فرفع السبّ عن الامام عليّ (ع) من على المنابر ، ذلك الّذي سنّه معاوية وعمّمه على الأمصار ، فصار سنّة يستنّ بها كلّ سلاطين بني اُميّة ، إذ كانوا يأمرون أئمّة المساجد بسبّ الامام عليّ (ع) في خطبة الجمعة ، واستمرّ ذلك عشرات السنين حتّى عهد عمر بن عبدالعزيز الّذي منعه . كما أعاد فدكاً ـ وهي منحة النبيّ (ص) إلى ابنته فاطمة ـ إلى الامام الباقر (ع) معتبراً أمر مصادرتها من لَدُن الحكّام السابقين لا مبرِّر له . وبالنظر إلى أنّ البيت الاموي لم يألف مهادنة أهل بيت الرسالة (ع) ، فإنّ عمر بن عبدالعزيز كان يواجه الضغط من بني اُميّة بسبب سياسته الانفتاحية عليهم ، ولم يدم حكمه أكثر من سنتين وخمسة أشهر إذ أنّه مات في ظروف غامضة . وتولّى الحكم بعده يزيد بن عبدالملك، المشهور تأريخياً بلهوه وخلاعته وغزله الماجن، وربّما كان انشغاله بأعماله الصبيانية ومجونه لم يعطه فرصة التصدِّي لمسيرة الاسلام التأريخيّة الّتي يقودها الامام الباقر (ع) . ثمّ جاء هشام بن عبدالملك الّذي تولّى الحكم الاموي المنحرف بعده وغيّر الوضع ، فقد كان خشن الطبع ، شديد البخل ، فظّاً جاهلي الطِّباع ، ناقماً على المسلمين من غير العرب ، فضاعف من حجم الضرائب المالية عليهم ، وأعاد أيّام يزيد والحجّاج الدمويّة ، لذا تصدّى له أنصار أهل البيت (ع) من خلال انتفاضة الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين (ع) الّتي كانت صدى لثورة الحسين (ع) وامتداداً لها ، فاستشهد هو وأصحابه ، وأمر الطاغية هشام بصلب جثّته ومن ثمّ حرقها وذرّ رمادها في نهر الفرات (183) . راح هشام بن عبدالملك يلاحق أنصار الامام الباقر ومريديه واحداً بعد الأخر ، فأصدر أمراً إلى واليه على الكوفة يقضي بقتل جابر بن يزيد الجعفي الّذي كان من كبار العلماء ومن أبرز تلامذة الامام (ع) . غير أنّ الامام الباقر قد أفشل المخطّط بأن أمر تلميذه بالتظاهر بالجنون كطريق وحيد لضمان نجاته من القتل ، وهكذا كان إذ راح جابر يلعب مع الصبيان متظاهراً بالجنون ، فكتب والي الكوفة إلى هشام عن جابر أنّه (كان رجلاً له فضل وعلم وجُنّ ، وهو دائر في الرّحبة مع الصبيان . وبذلك نجا جابر من القتل) (184) . إنّ هشام بن عبدالملك كان واثقاً من أنّ مصدر الوعي الاسلامي الصحيح إنّما هو الامام الباقر (ع) ، وأنّ وجوده حرّاً طليقاً يمنحه مزيداً من الفرص لرفد الحركة الاصلاحية في الاُمّة ، لذا اتّجه المكر الاموي نحو اعتقال الامام (ع) وإبعاده عن عاصمة جدّه المصطفى (ص) ، الّتي أجمعت هي ، والحجاز عموماً ، على إجلاله والتمسّك به . وهكذا حُمِل الامام (ع) وابنه الصادق (ع) إلى دمشق بأمر السلطة الامويّة لايقاف تأثيره في الاُمّة المسلمة ، وحجبه عن أداء دوره الرسالي العظيم ، واُودِع في أحد سجون الحكم هناك . غير أنّ تأثيره الفكري فيمن التقى بهم حمل السلطة الامويّة على إطلاق سراحه ، كما تفيد رواية أبي بكر الحضرمي حيث يقول : (فلمّا صار في الحبس تكلّم ، فلم يبق في الحبس رجل إلا ترشّفه وحَنَّ إليه ، فجاء صاحب السجن إلى هشام ، وأخبره بخبره ، فأمر به فحُمِل على البريد هو وأصحابه لِيُردّوا إلى المدينة ) (185) . وإذا كانت رواية الحضرمي تؤكِّد أنّ إطلاق سراح الامام (ع) من السجن الاموي كان بسبب تأثيره بالسجناء الّذين التقى بهم ، فإنّ رواية محمّد بن جرير الطبري في دلائل الامامة (186) تفيد أنّ إطلاق سراحه إنّما جاء بسبب تأثيره على جماهير دمشق ، على إثر مناظراته لزعيم النصارى هناك ودحض آرائه ، وتبيان زيفها ، والردّ على كلّ الشبهات الّتي أثارها حول الاسلام . وليس هناك تعارض بين الروايتين ، إذ لا مانع من وقوع الحادثتين معاً ، فإنّ الامام (ع) إنّما يتبع الهدى والحقّ أينما حلّ ، طليقاً كان هو أم معتقلاً ، ما دام هناك إنسان يلقي السمع وهو شهيد . وإذ لم تحقق المضايقة الامويّة غاياتها الدنيئة في صدّ الامام الباقر (ع) عن النهوض بمهامه الرساليّة العظمى، فقد رأت السياسة المنحرفة أنّه ليس لها عن اغتياله بديل . وهكذا دُسَّ إليه السُمّ في عام (114هـ ) (187) . فرحل إلى ربِّه الأعلى سبحانه صابراً مُحتسِباً . وفقدت الاُمّة بذلك إماماً من أهل بيت النبيّ (ص) ، وغصناً شامخاً من هذه الشجرة الطاهرة . فسلامٌ عليه يوم وُلِدَ ، ويوم رَحَلَ إلى ربِّه ، ويوم يُبْعَثُ حَيّاً .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|