اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
الامام جعفر الصادق (عليه السلام)
في المدينة المنوّرة في السابع عشر من شهر ربيع الاوّل سنة ثلاث وثمانين من الهجرة ، وُلِدَ الامام جعفر بن محمّد (ع) . وترعرع الصادق في ظلال جدّه السجّاد (ع) وأبيه الباقر (ع) ، وعنه أخذ علوم الشريعة ومعارف الاسلام . وهكذا فإنّ الصادق (ع) يشكِّل مع آبائه الطاهرين حلقات متواصلة مترابطة متفاعلة ، حتّى تتصل برسول الله (ص) ، فهي تشكِّل مدرسة وتجربة حيّة يتجسّد فيها الاسلام ، وتُطَبَّق فيها أحكامه وتُحفظ مبادئه ، وقد أوضح الامام الصادق (ع) هذه الحقيقة بقوله : (حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدِّي ، وحديث جدِّي حديث عليّ بن أبي طالب ، وحديث عليّ بن أبي طالب حديث رسول الله (ص) ، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ) (188) . فإنّ الائمّة من أهل البيت (ع) ورثوا العلم ابناً عن أب حتّى ينتهوا إلى عليّ بن أبي طالب (ع) الّذي قال فيه رسول الله (ص) : ( أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابها ) (189) . وهو بذلك ينتهي إلى رسول الله (ص) وهو الوارث لعلومه ومعارفه . من هنا كان الامام الصادق (ع) يحمل الاسلام بنقائه وصفائه كما نزل على رسول الله (ص) وبلّغه ، ولذا قصده العلماء من كل مكان يبغون علمه ويرجون فضله ، حتّى جاوز عدد تلاميذه الآلاف ، الّذين نقلوا العلم إلى مختلف الديار ، فكان الصادق بحق محيي السنّة المحمّدية ومجدِّد علوم الشريعة الالهيّة . كانت شخصية الامام العظيمة بما تجسّد فيها من هدي الاسلام وبما حملت من نوره تجذب الناس إليه ، وكان بما حمل من علم وفهم وخُلق وإخلاص لله تعالى يذكِّرهم بسيرة الرسول الاكرم (ص) والسابقين من أهل بيته (ع) . قال مالك بن أنس : (ولقد كنتُ أرى جعفر بن محمّد وكان كثير التبسّم ، فإذا ذُكِرَ عنده النبيّ (ص) اصفرّ لونه، وما رأيته يحدِّث عن رسول الله (ص) إلاّ على طهارة ، ولقد اختلفتُ إليه زماناً طويلاً ، فما كنت أراه إلاّ على ثلاث خصال : إمّا مُصلّياً ، وإمّا صامتاً ، وإمّا يقرأ القرآن . ولا يتكلّم بما لا يعنيه ، وكان من العلماء والعبّاد الّذين يخشون الله) (190) . وروى ابن أبي عمير ، قال : سمعت مالك بن أنس فقيه المدينة يقول : ( ... وكان كثير الحديث طيِّب المجالسة كثير الفوائد ، فإذا قال : قال رسول الله (ع) اخضرّ مرّة واصفرّ اُخرى حتّى ينكره من يعرفه . ولقد حججت معه سنة ، فلمّا استوت راحلته عند الاحرام ، كان كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه وكاد يخرّ ـ يسقط ـ من راحلته ، فقلت : قل يابن رسول الله فلا بدّ لك من أن تقول ، فقال : يا بن أبي عامر ، كيف أجسر أن أقول : لبّيك اللّهمّ لبّيك ، وأخشى أن يقول عزّ وجلّ لي : لا لبّيك ولا سعديك) (191) .
|
|