سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)


الظّروف السياسية الّتي عاصرها الامام (عليه السلام)

عايش الامام الصادق (ع) الحكم الاموي مدّة تقارب (40) سنة ، وشاهد الظلم والإرهاب والقسوة الّتي كان يسلِّطها الحكّام الامويون على أبناء الاُمّة بصورة عامّة والعلويين بصورة خاصّة .
وبعد سقوط الحكم الاموي سنة (132 هـ ) آلت الخلافة إلى بني العبّاس ، فعاصر من خلفائهم أبا العبّاس السفّاح ، وشطراً من خلافة أبي جعفر المنصور تُقدّر بعشر سنوات تقريباً .
وقد شهد الامام خلال هذه الفترة ثلاثة أحداث مهمّة :
1 ـ ثورة زيد بن عليّ بن الحسين ضدّ الخليفة الاموي هشام بن عبدالملك الّذي بلغ في زمنه الظلم والفساد حدّاً لا يُطاق ، عانى الناس منه أشدّ الظروف .
وكان الامويون قد فرضوا ضرائب قاسية يأخذون من الناس أموالهم ويضيِّقون عليهم ، حتّى أنّ التاريخ نقل لنا بؤس الناس .
اعتبر الامويّون كلّ الناس في الجزيرة عمّالاً ، وأحصوا عليهم نفقتهم وكسوتهم في تمام السنة، فوجدوا أنّه يبقى لكل فرد منهم أربعة دنانير فألزموهم بدفعها (193) .
هذا في الوقت الّذي كانت الاموال تُكنز وتُجمع عند طبقة من الخلفاء والولاة ومَنْ حولهم ، حتّى بلغت عند بعضهم كوالي خراسان عشرين مليون درهم .
كان زيد بن عليّ عابداً ورعاً ، سخيّاً شجاعاً ، ملازماً للقرآن ، فقام بثورته على تلك الأوضاع الفاسدة ، وبايعه ناس كثيرون من مختلف البلاد ، إلاّ أن ثورته لم تحقق الانتصار ، فَقُتِلَ وصُلِبَ عُرياناً لمدّة أربع سنوات يحرسه الحرس ، ثمّ اُنزِل واُحرِق جسده وذري رماده في الهواء .
2 ـ سقوط الدولة الامويّة ومجيء العبّاسيين إلى الحكم ومضايقتهم لأهل البيت (ع) .
3 ـ ثورة محمّد بن عبدالله بن الحسن (ذي النفس الزكيّة) عام 145 هـ ضدّ المنصور العبّاسي ، الّذي كان من أشدّ الحكّام نقمة وعداوة لأهل البيت (ع) ، وأكثرهم أذىً وشدّة على عموم المسلمين .
كان محمّد قد ثار بالمدينة وقُتِلَ بها ، وثار أخوه بالبصرة وقُتِلَ على مقربة من الكوفة ، وهكذا فشلت هذه الثورة أيضاً ، وتبعها تضييق وخناق وإرهاب لأهل البيت (ع) ومَنْ والاهم ولعموم المعارضين لبني العبّاس .
عاصر الامام كلّ هذه الأدوار ، وشاهد بنفسه محنة آل البيت (ع) وآلام الاُمّة وآهاتها وشكواها وتململها ، إلا أنّه لم يكن ليملك القدرة على التحرّك ، ولم يستطع المواجهة لأسباب عديدة .
لذلك راحَ الامام (ع) يربِّي العلماء وجماهير الاُمّة على مقاطعة الحكّام الظّلمة ، ومقاومتهم عن طريق نشر الوعي العقائدي والسياسي والتفقّه في أحكام الشريعة ومفاهيـمها ، ويثبِّت لهم المعالِم والاُسس الشرعية الواضحة كقوله (ع) :
(مَنْ عَذَرَ ظالماً بظلمه سلّط الله عليه مَنْ يظلمه ، فإن دعا لم يُسْتَجَبْ له ولم يؤجِره الله على ظلامته) .
و (العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم) (194) .
بعد سقوط الدولة الامويّة واستيلاء العبّاسيين ، تنكّر العبّاسيون لآل البيت (ع) ، وراحوا يفتكون بهم بعد أن كانت دعوتهم تتستّر تحت شعار الدفاع عن آل البيت (ع) وتعرض مظلوميتهم وتستميل الناس بحبّهم .
عانى العلويون أشدّ المعاناة ، كما عانى غيرهم من ظلم بني العبّاس وجورهم واستبدادهم ، حتّى أنّ خليفتهم الاوّل ( أبا العبّاس ) سُمِّي بالسفّاح لكثرة ما أراق من الدماء ، واشتدّت المحنة على الامام الصادق (ع) وضيّق عليه .
وحينما تولّى أبو جعفر المنصور الخلافة ، ازدادت مخاوفه من الامام الصادق (ع) واشتدّ حسده ، لتفوّق شخصية الامام (ع) وعلوّ منزلته في النفوس ، وذيوع اسمه في الآفاق ، وشموخ مكانته العلمية ، لذلك عمد المنصور إلى استدعائه (ع) وجلبه من المدينة إلى العراق عدّة مرّات ، ليحقِّق معه ويتأكّد من عدم قيادته لحركات سريِّة ضدّ الحكم العبّاسي .
وكم حاول المنصور أن يستميل الامام الصادق (ع) إلى جانبه ، إلا أنّه فشل ، لأنّ الامام (ع) كان يفرض مقاطعة على الحكم العبّاسي ، وكان يعرف أنّ مقاطعته ترسم موقفاً شرعيّاً للمسـلمين ، وتكشف انحراف السلطة ، فتضعف مركزها في النفوس .
وقد كتب المنصور إلى الامام الصادق (ع) يطلب فيه قرب الامام (ع) ومصاحبته ، وممّا جاء في الكتاب :
(لِمَ لا تَغشانا كما يَغشانا النّاس) ؟
فكتب إليه الصادق (ع) :
(ليس لنا ما نخافك من أجله ، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له ، ولا أنتَ في نعمة فنُهنِّئك ، ولا نراها نقمة فنُعزِّيك) .
فكتب إليه المنصور : (تصحبنا لتنصحنا) .
فأجابه الصادق (ع) :
(مَنْ أراد الدُّنيا لا ينصحك ، ومَنْ أراد الآخرة لا يصحبك) (195) .
وقد ذكرت بعض الروايات أنّ المنصور نوى قتل الامام (ع) أكثر من مرّة ، إلا انّ الله سبحانه وتعالى دفع عن الامام ذلك .
فقد روى ابن طاووس في كتابه مهج الدعوات أنّ المنصور استدعَى الامام الصادق (ع) سبع مرّات ليفتك به ونجّاه الله من كيده .
هكذا عايش الامام الصادق (ع) هذه الأجواء السياسية المضطربة في جوّ مشحون بالعداء والإرهاب والتجسّس والملاحقة ، إلا أنّه استطاع بحكمته ، وقوّة عزيمته أن يؤدِّي رسالته الدينية ، وأن يُفجِّر ينابيع العلم والمعرفة ويخرّج جيلاً من العلماء والفقهاء والمتكلِّمين .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com