اسم الكتاب: نفحات من السيرة موجزة لسيرة الرسول (ص) واهل البيت (ع)
شخصيّة الامام الكاظم (عليه السلام)
السرّ الكامن وراء عظمة أهل البيت (ع) وكمال ذواتهم الانسانيّة وتميّزهم عن سائر الناس هو معرفتهم بالله تعالى والتوجّه الخالص له وهو المتّصف بالخير والكمال المطلق ، وانعكاس هذه المعرفة سلوكاً وعملاً في حياتهم المثالية الخالدة . فلا عجب أن نرى في سيرتهم الزُّهد والتعالي على متع الحياة الدُّنيا ، والتضحية بلذائذها وبذل المال والنفس في سبيل الوصول إلى الله ونيل رضوانه والعمل على إنقاذ الانسانيّة ووضعها على طريق الهدى ومسيرة الايمان الخيِّرة . وكانت سيرة الامام الكاظم (ع) العطرة المصداق الامثل لهذه المعاني ، وتلك بعض الروايات كشواهد لذلك : (وكان (ع) أحفظ الناس بكتاب الله تعالى وأحسنهم صوتاً به ، وكان إذا قرأ يحزن ويبكي السامعون لتلاوته ، وكان الناس بالمدينة يسمّونه زين المجتهدين) (199) . وكان لشدّة علاقته بالله تعالى وشوقه إليه وسعيه إلى رضاه يسعى حاجّاً إلى بيت الله الحرام مشياً على قدميه ، فقد رُوي أنّه حجّ أربع مرّات ماشياً على قدميه يرافقه أخوه عليّ ابن جعفر ، واستغرق حجّه مرّةً 26 يوماً واُخرى 25 يوماً وفي العام الثالث 24 يوماً والرابع 21 يوماً . وكان إذا وقف بين يدي الله يصلِّي أرسل ما بعينيه من دموع ، وكان كثير الاستغفار والشكر ، قال هشام بن أحمر : (كنت أسير مع أبي الحسن (الكاظم) في بعض أطراف المدينة إذ ثنى رجله على دابّته فخرّ ساجداً ، فأطال وأطال ثمّ رفع رأسه وركب دابّته . فقلت : جعلت فداك قد أطلت السجود ، فقال : إنّني ذكرت نعمة أنعم الله بها عليّ فأحببت أن أشكر ربِّي) (200) . وقال الشيخ المفيد : (وكان يبكي من خشية الله حتّى تخضلَّ لحيته بالدموع ، وكان أوصل الناس لأهله ورحمه ، وكان يتفقّد فقراء المدينة في اللّيل فيحمل إليهم الزنبيل فيه العين والورق والادقة والتمور ، فيوصل إليهم ذلك ولا يعلمون من أي جهة هو) (201) . وعندما أدخل هارون الرشيد الامام الكاظم (ع) في السـجن ، سمع السجّانون الامام يقول: (اللّهمّ إنّك تعلم أنِّي كنتُ أسألك أن تفرغني لعبادتك، وقد فعلت فلك الحمد) (202) . وهكذا كان خلقه مع الناس حتّى قال عنه المفيد : ( كان أبو الحسن أعْبَد أهل زمانه وأفقههم وأسماهم كفّاً وأكرمهم نفساً ) . روى المؤرِّخون أنّ الامام كان إذا بلغه عن أحد شيء يسوؤه بعث إليه بالصرّة وفيها مائتان إلى ثلاثمائة دينار ، فكان يقابل الاساءة بالاحسان ، ويغمر الناس بخلقه وكرمه ، (فكانت صرار موسى مثلاً ) (203)، فكان يبعث للمحتاجين والغارمين مثل هذه الصرار . وكان من سيرته(ع)شراؤه للعبيد وإطلاق حرّيّتهم وفكّ قيودهم في سبيل الله تعالى،وقد ذكرت كتب التاريخ نماذج من ذلك،حتّى كان يشتري الاُسرة بكاملها ويعتقها لوجه الله تعالى.
|
|