اسم الكتاب: دوافع النهضة الحسينية
انعطافة التغيير الحضاري :
وفي هذه الأجواء الملبدة بغيوم البؤس ، والرذيلة ، وامتهان حقوق الإنسان ، وكرامته ، والسطو على الحرمات . . امتدت يد الله تعالى لتنعش الآمال ، في حياة الناس فجلجل نداء السماء ببعثة الرسول الخاتم محمد بن عبدالله (ص) ، الذي بشّر بمنظومة قيمية ، وتشريعية مفصلة لبناء حضارة إنسانية رائدة على ظهر هذا الكوكب . . وكانت الرسالة الإلهية التي حمـلها سفير الله إلى خلقه محمد بن عبدالله (ص) قد وفرت «الهوية الثقافية» الإنسانية للمجتمع الذي كان يفتقد الهوية، حيث غيرت نظرة الناس للحياة، والإنسان، والحياة الإجتماعية ، والسياسية ، والنشاط الإقتصادي ... وقد أرست قيم العدالة ، وبشرت بالكرامة ، والحياة الحرة الكريمة ، ودعت للتواصل بين الأمم ، والغاء الفوارق الطبقية ، والقومية ، وأعلنت بداية عهد جديد تشيع فيه المحبة والأخوّة الإنسانية ! وأحلت المرأة محلاً إنسانياً ، مرموقاً ، لا تختلف في التكاليف عن الرجال ، إلاّ في الحدود التي تقتضيها الطبيعة التكوينية لها ... ودعت الشريعة الإسلامية لحكومة العدل ، والمساواة ، والشورى وتداول السلطة عن طريق البيعة الشعبية ، ورضا الأمة . ورغم قصر الفترة التي عاشها الرسول (ص) بين أمته ، فإن التطبيق لتلك السياسات ، والخطط جاء رائعاً جداً ، ومنسجماً مع المهمة الحضارية الكبرى التي جاء بها الرسول (ص) . . ومن أجل أن تستمر المسيرة بعيدة عن التلكؤ ، والعقبات وضع النبي (ص) ضمانات تشريعية ، وروحية ، وأخلاقية للحفاظ على المشروع الحضاري المذكور . . إلاّ أن القوى الرجعية الغارقة في الحرص على مصالحها الفئوية ، والشخصية ، عملت كل وسعها من أجل تدمير مشروع النبي (ص) ، وهذه الظاهرة ابتليت بها كثير من الأمم بعد غياب الأنبياء (ع) ، بما في ذلك موسى ، وعيسى (ع) ، حتى إن رسول الله محمد بن عبدالله (ص) حذر من هذه الظاهرة ، قائلاً : فقد روى البخاري ومسلم عن بن عباس رضوان الله عليه قال : خطب رسول الله (ص) ، فقال : «أ يُّها الناس ! إنّكم محشورون إلى الله ، عراة ، حفاة عرياناً ، ثمّ تلا : (كما بدأنا أوّل خلق نعيده ، وعداً علينا إنّا كنّا فاعلين )(4) ، ثمّ قال : ألا وإنّ أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ، وإنّه يجاء برجال من أمّتي ، فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا ربّ ! أصحابي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح : (وَكُنتُ عليهم شهيداً ما دُمتُ فيهم ، فلما تَوفَّيتَني كُنْتَ أنتَ الرقيبَ عليهِمْ وأنتَ على كلِّ شيء شهيد )(5) ، فيقال : إن هؤلاء لم يزالوا مُرْتَدين على أعقابهم منذ فارقتهم» .. قال مسلم : وفي حديث وكيع ومعاذ : فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك(6) . وروى الترمذي بإسناده عن النبي (ص) أنه قال : «والذي نفسي بيده لَتَرْكَبَنَّ سُننَ مَن كان قبلكم ـ وزاد رزين ـ حِذوَ النعلِ بالنعل ، والقذة بالقذة ، حتى إن كان فيهم من أتى أمّه ، يكون فيكم ، فلا أدري أتعبدون العجل أم لا ؟ »(7) . وهناك عشرات الأحاديث الصريحة المحذرة من مغبة إنقلاب الأمة بعد رسول الله (ص) ...
|
|