سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب: دوافع النهضة الحسينية


الحركة المضادة ، ومخططات الرجعية :

وقد تكشفت خيوط المؤامرة والردة الرجعية بكل تفاصيلها عندما سطا معاوية بن أبي سفيان على حكم المسلمين ، هذا الوثني الغارق بالوثنية ، والذي تظاهر بالإسلام تحت حالة من الذعر التي شهدها هو وأمثاله بعد انتصار الإسلام في مكة المكرمة ، وتحطيمه للأصنام بعد قيام دولة الإسلام بثماني سنين .
لقد وصل معاوية إلى حكم العالم الإسلامي بعد وفاة رسول الله (ص) بقرابة ثلاثين سنة ، وإن كان قد تسلل الأمويون من قومه ـ وهم منافقون متزمتون ـ إلى منصة الحكم منذ أيام الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب الذي عين معاوية والياً على الشام بعد استنقاذه من الروم البيزنطيين مباشرة ، بعد وفاة الرسول (ص) بثلاث سنوات تقريباً . . ثم تعزز حكمهم ، وقبضوا على نواصى الأمور أيام قريبهم الخليفة الثالث عثمان بن عفّان الذي خلف عمر بن الخطّاب في الحكم ..
ويمكننا أن نكتشف ما كان يبيته الخط الرجعي الأرستقراطي المنحرف للإسلام ، والإنسان ، والحضارة الإنسانية ، إذا قرأنا الوثيقة التاريخية التالية ، وتأملنا فيها بدقة ، وإمعان . .
روى المسعودي الهذلي ، وابن أبي الحديد المعتزلي وغيرهم هذه الوثيقة التاريخية الخطيرة : نقل الزبير بن بكار عن مطرف ابن المغيرة ابن شعبة ، قال : «دخلت مع أبي على معاوية ، فكان أبي يأتيه ، فيتحدث معه ، ثم ينصرف أبي فيذكر معاوية وعقله ويعجب بما يرى منه ، إذ جاء ذات ليلة ، فأمسك من العشاء ، ورأيته مغتماً فانتظرته ساعة ، وظننته أنه لأمر حدث فينا ، فقلت : ما لي أراك مغتماً منذ الليلة ؟ فقال لي : يا بني جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم ، قلت : وما ذاك ؟ قال : قلت له وقد خلوتُ به : إنّك قد بلغت سناً يا أمير المؤمنين ، فلو أظهرت عدلاً ، وبسطت خيراً فإنّك قد كبرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم ، فوصلت أرحامهم ، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه ، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه ، فقال : هيهات هيهات ! أي ذكر ترجو بقاءه ؟ مَلَكَ أخو تيم فعدل وفعل ما فعل ، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره ، إلاّ أن يقول قائل : أبو بكر ، ثم مَلَكَ أخو عدي ، فاجتهد وشمر عشر سنين ، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره ! إلاّ أن يقول قائل : عمر ، وإن ابن أبي كبشة(8) ليصاح به كل يوم خمس مرات (أشهد أن محمداً رسول الله) فأي عمل يبقى ، وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك ! لأمر الله إلاّ دفناً دفنا»(9) .
إن قراءة هذه الوثيقة الرسمية التاريخية بعمق ، وتأمل ترينا كيف كانت استراتيجية الرجعية الأموية تتجه نحو الغاء الأطروحة الإلهية التي حملها الإسلام الحنيف ، والرجوع بالإنسان إلى عصر الظلام ، ولكن مع مراعاة المستجدات الثقافية والاجتماعية والقانونية التي عاشها الناس بعد سطوع شمس الرسالة الإسلامية المباركة ..
وهذه الخطة الأموية تشبه من بعض الوجوه برامج الثورات المضادة لكثير من حركات الاصلاح في التاريخ ، كما جرى لمشروع الاصلاح الكبير الذي دعا إليه موسى النبي (ص) ، والمشروع الاصلاحي الذي تصدى عيسى النبي (ص) لحمل أعبائه ، وكما جرى للثورة الفرنسية من انتكاسة لرسالتها في الحرية ، وحقوق الإنسان بعد نجاحها بسنوات ، وهو الأمر الذي جرى لكثير من المصلحين ، وحركات الاصلاح في الأرض ..
لقد تحركت عملية تنفيذ «الدفن» أو «التعطيل» و «التشويه» ، و «الالغاء» الأموي لحركة الاصلاح الكبرى التي حملها الرسول الخاتم محمد بن عبدالله (ص) ، خطوة خطوة ، بطريقة ذكية جداً ، حتى تمّ لتلك العملية الخطيرة انجاز مهامها خلال ثلاثة عقود تقريباً ، لا من خلال تعطيل العمل بالدستور الإسلامي المستمد من القرآن الكريم ، وسنة رسول الله (ص) فحسب ، وإنما من خلال تغيير روحه وأهم مواده ، وقواعده جملة وتفصيلاً ..

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com