اسم الكتاب: دوافع النهضة الحسينية
دراسة موجزة للوثيقة :
هذه الرسالة هي التي بعثها الإمام السبط أبو عبدالله الحسين بن علي (عليهما الصلاة والسلام) إلى جماهير الكوفة بصحبة آخر رسولين منهم إليه : هاني وسعيد ، وقد حملت مضامين مهمة تشرح بعمق طبيعة التحرك الحسيني في ضوء ظروفه الموضوعية التي كان يرصدها بعمق ، ووضوح : ـ فالحسين (ع) قد بعث إلى الكوفة رجلاً من صفوة رجاله ، ليس عسكرياً فحسب ، وإنما هو رجل بصير بالأمور ، ثقة في التقويم ، وتشخيص ما يدور حوله ليعطي قيادة النهضة ، صورة دقيقة عن الواقع كما هو ، « .. بعثت إليكم أخي ، وابن عمّي ، وثقتي من أهل بيتي .. » ثم هو من أهل البيت (ع) الذين يحضون لدى الأمة بكل الثقة والحب ، والإجلال ، وليس من سائر الناس .. ـ والمهمة التي بعث الحسين (ع) بها هذا الصفوة من رجاله : هو دراسة الموقف عن كثب ، ليشخص للحسين (ع) ما كان قد صدر عن ثورة عاطفية غمرت جماعة من الناس بسبب شعورهم بالرضا والفرح لهلاك معاوية ، وانكسار باب الجور ، والإثم بموته ، وما كان صدر من بعضهم بحثاً عن مطامع دنيوية ، أو شماتة بالظالمين ، أو بسبب ارتخاء القبضة الأموية الحاكمة عند انتشار خبر هلاك الطاغية ، وهذا ما يحدث عادة عند كثير من الشعوب التي تبتلي بطاغية ، فإذا هلك ، تحركت حركة عفوية ، دون دراسة علمية للعواقب ، خصوصاً حين يضطرب الأمن ، وتخف حماسة الحكام المحليين ، وأجهزتهم خوفاً على مواقعهم ، ومصالحهم ، إضافة إلى معرفة حجم المندكين حقاً بأهداف النهضة ، والمتمسكين ببرامجها . يقول الإمام أبو عبدالله الحسين (ع) بهذا الصدد في رسالته المذكورة ما يلي : « ... وأمرته أن يكتب إليَّ بحالكم ، وأمركم ، ورأيكم ، فإن كتب أنه قد اجتمع رأي ملئكم ، وذوي الفضل ، والحجى منكم على مثل ما قدمت عليَّ به رسلكم ، وقرأت في كتبكم ، أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله ... » ، فتقرير القائد مسلم (ع) إلى الإمام السبط (ع) ، هو الذي يحدد طبيعة حركة الإمام (ع) بعد ذلك سلباً أو إيجاباً ، لأنه هو الذي يقوّم الواقع الذي يجري في الكوفة وليس الرسائل والمذكرات مجردة ، مهما كانت صادقة في لهجتها ، وعواطفها ، لأن الوقائع تتغير عادة عند الأزمات الحادة . . ثم يتحدث الإمام السبط (ع) عن خصوصيات الحاكم الشرعي بعد رسول الله (ص) ، فيتحدث عن خصائص ثلاث : 1- منهجه ومحددات برامجه : «العامل بالكتاب» ، فهو المتمسك بكتاب الله عزّوجلّ ، في أوامره ، ونواهيه ، وهو الذي يملي عليه برامجه الحياتية ، ويحدد البنية التحتية لكافة مشاريعه السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، والشخصية . 2- طبيعة سياسته الاقتصادية ـ الاجتماعية : «الآخذ بالقسط» ، والأخذ بالقسط ، يريد به العمل بكل وجوده من أجل إقامة أعلى درجات العدل ، حيث إن القسط بالمفهوم الإسلامي ، هو إقامة العدل ، بأجلى صوره ، وأعلى درجاته ، سواء أكان في البرامج الاقتصادية ، وإجراء عدالة التوزيع ، أو في السياسات الاجتماعية كالحكم ، والقضاء ، والعلاقات مع قطاعات الأمة المختلفة ، أو ما إلى ذلك . . 3- الحابس نفسه على ذات الله : وهذا هو الركن الثالث من أركان الحكم العادل في نظر الإسلام حيث يكون الحاكم منضبطاً بضوابط الشريعة الإلهية المقدسة ، وسائراً في حياته الشخصية ، والعامة حيث اتجهت به في قيمها ، وتوجيهاتها العظيمة ، وما أعظم هذه العبارة ، وأدقها : «الحابس نفسه على ذات الله» أي يوطن نفسه ، وعواطفه ، ونوازعه الذاتية ، ويربطها بمشيئة الله ، وإرادته ، فيما يأمر ، وينهى .. حيث إن أعلى درجات هذه الحالة لا يحققها إلاّ القائد المعصوم ، وهو رسول الله (ص) ، والأئمة الهداة من آله عليهم الصلاة والسلام ، ثم تتدرج مستويات الناس بعدهم ضمن درجات مختلفة يصنفها الإسلام الحنيف ضمن السلَّم الذي وضعه للشخصيات المسلمة في مجتمعه العتيد ...
|
|