قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: دوافع النهضة الحسينية
التطورات السريعة وموقف الإمام السبط (ع) :
وبينما اتّخذ الإمام أبو عبدالله الحسين بن علي (ع) مكة المكرّمة منطلقاً لحركته ورصده لمسيرة الأحداث ، وتقويمها ، فأقام فيها قرابة الخمسة أشهر ، فقد راح يلتقي المعتمرين ، والحجيج ، والمتعبدين من أهلها ، ومن أقطار العالم المختلفة ، يبصّرهم بحقائق الأمور ، ويفتح قلوبهم على الوقائع ، وما آلت إليه أمور المسلمين ، ومصالح البلاد ، والعباد تحت نفوذ تلك السلطة المنحرفة عن مصالح الإسلام والأمة .. ورغم أن مهمة الإمام السبط (ع) كانت سلمية ، حكيمة ، وهادئة ، إلاّ أن السلطة الأمية ضاقت به ذرعاً ، لأن توعية الناس في نظر السلطة ، يخرق جدار التعمية ، والتزييف ، ويوسع الهوة بين جماهير الأمة وسلطات البغي ، والدكتاتورية ، ويقوي من أرصدة المعارضة السياسية ضدها ، وهكذا أصدرت القيادة العليا في الشام ، قراراً بتصفية الإمام السبط (ع) جسدياً ، حتى وإن وجد متعلقاً بأستار الكعبة !! وقد تحملت السلطة المحلية مهمة التنفيذ ، حيث أخضعت تحركات الإمام (ع) للمراقبة الدقيقة من أجل تنفيذ تلك المهمة القذرة ، وقد أحس الإمام (ع) بما يبيت له ، وخشي أن تنتهك حرمة البيت الحرام إذا تمّ اغتياله في مكة المكرّمة ، فقرر مغادرة مكة المكرّمة في وقت حرج جداً ، وكان خروجه يوم التروية ، وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة الحرام ، بعد أن حول حجه المستحب إلى عمرة مفردة ، وغادر مكة ، خوفاً من تنفيذ الهجوم المسلح الغادر على داره ، وقتله في داره أو في الطريق ، أو الطواف ، أو في أي منسك أو عبادة ، واتّجه بمن معه من أهل بيته وأنصاره باتجاه العراق مرغماً تحت تلك الظروف التي ذكرناها ، وطوال تلك الفترة كان يتلقى رسائل موفده مسلم بن عقيل من الكوفة التي تكشف عن تطورات الوضع فيها .. وكان مسلم بن عقيل ، قد اتخذ مكاناً عاماً بداية وصوله إلى الكوفة عاصمة الإقليم العراقي يومذاك ، وكان يجمع الأنصار ، وينظّم الجماعات ، ويعطيهم التوجيهات السياسية المناسبة ، كما كان يجمع الأموال من أنصاره ... وكانت حركة القائد مسلم بن عقيل علنية في بداية الأمر ، كما ذكرنا تدرس الأوضاع وترصد الاتجاه العام للأمة ، حتى عاهده على النصرة ، والدعم عدة آلاف من أبناء العشائر ، والفلاحين ، والطبقات المستضعفة الموتورة من سياسات الحكم الأموي ، وتصرفاته المشينة ، واستمر هكذا شهرين كاملين . ومن تقييم أولي للحالة ، فإن الأنصار الذين جمعهم مسلم (ع) ، لم يشكلوا الشطر الأعظم من جماهير الكوفة ، رغم ضخامة عددهم نسبياً إذ كانوا بحدود ثمانية عشر ألفاً (33) ، كما ذكر المؤرخون .. وجميع هؤلاء عاهدوا مسلماً على الدعم ، وعلى الموقف الإيجابي من الحركة الحسينية في ظروف كانت السلطة المحلية ضعيفة جداً ، إذ كان الحاكم المحلي الأموي «النعمان بن بشير الأنصاري» الذي لم يكن من وجوه الحزب الأموي وإنما من أنصاره ، وكان ليناً في تعامله ، ولذا فإنّه حين تسربت إليه المعلومات عن تفاقم الدعم لمسلم بن عقيل ، أذاع بياناً فيه كثير من الليونة ، وقلة الحزم(34) ، بالنسبة لحكومة تقوم على الغشم ، والدكتاتورية ، والبطش ، والتنكيل .. ورغم تكتم مسلم بن عقيل (ع) على ما حققته حركته من مكاسب نسبية إلاّ أن السلطة الأموية المحلية شعرت بخطر نفوذ الحركة الإصلاحية ، فكتب بعض عناصر حزب السلطة المحلية تقريراً عن طبيعة الحركة في الكوفة ، وضعف الحاكم المحلي عن مواجهتها ، وسارعوا إلى مفاتحة المركز بذلك .. وجمع يزيد مستشاريه لدراسة الموقف ، فقرروا تغيير القيادة المحلية للكوفة كاجراء أولي ، فوقع الاختيار على عبيدالله بن زياد الذي كان والياً على البصرة .. فوصل الكوفة بسرعة استثنائية ، حيث تسارعت الأحداث بعد ذلك لصالح السلطة الأموية ، خصوصاً وإن الحاكم المحلي الجديد ، قد استعمل أقصى درجات الشدة ، والقمع ، وأعلن الحصار على الكوفة ، وفرض حالة حظر التجول ليلاً ، كما باشر عملية توزيع الأموال لمن يريد ومَن لا يريد ! وجرت عمليات واسعة من القمع ، والاعتقال ، والتهديد ، وتفتيش الدور ، كل ذلك لمواجهة عمل جماهيري معارض في بدايته ، فما ظنك بحركة اصلاحية في بدايتها ؟! حيث لا تملك إلاّ نسبة من أهل تلك البلاد مؤيدين لبرامجها الاصلاحية ، وليس كل أهل البلاد ، ولا شطرهم الأكبر معها ، فإن نفوس الكوفة كانت بالمئات من الألوف ! وخلال أيام محدودة أخذت دائرة المؤيدين للحركة الإصلاحية تضيق تحت مطارق العنف ، والمطاردة ، والإغراء والحرب النفسية لا سيما ، وهي لا تزال دائرة هشة لم تتشكل بعد في صيغة سياسية أو عسكرية ، متينة ، وفي بلد معقد في ولاءاته السياسية ، وانتماءاته القبلية ، والقومية(35) .. وهكذا أخذت مساحة المؤيدين بالتلاشي شيئاً فشيئاً والاختفاء خصوصاً بعد تسليط الجواسيس، والمداهمات، والاعتقالات الواسعة، وإثارة الهلع ! وفي ظل هذه الأوضاع اختفى مسلم بن عقيل عن الأنظار ، وضمته دار الوجيه الكوفي والصحابي المعروف هاني بن عروة ، زعيم قبيلة مذجح، وراح يباشر نشاطه بطريقة سرية ، ولا يتصل به إلاّ المخلصون من أنصار الحركة الإصلاحية ... بيد أن يد الجواسيس وصلت إليه من خلال أحد الزعامات المخلصة مسلم بن عوسجة ، الذي أوهمه أحد الجواسيس الأمويين أنه يحمل مالاً لدعم النهضة الحسينية وأوهمه أنه عجز عن العثور على مسلم بن عقيل لتقديم المال المذكور له ، وتظاهر الرجل الجاسوس بالتشيّع لأهل البيت (ع) ، وأنه في حيرة من أمره فأرشده ابن عوسجة (رض) إلى مسلم بن عقيل (ع) ، وراح يتردد عليه مراراً ، ربما لأعذار وأساليب لم يحدثنا التاريخ عنها ، حتى تمكن من معرفة كثير من أسرار الحركة ، وكيفية توجيه القائد مسلم (ع) لها .. وهكذا أخذ هاني بن عروة على حين غرة ، واعتقل وعذب في قصر الإمارة ، وأشيع أن الحاكم المحلي استدعاه لأمر هام يخص شؤون البلاد ... وفي تلك الساعات الحرجة ، تحركت السلطات المحلية لاجهاض أي تحرك مضاد من قبيلة مذحج ـ وهي قبيلة كبيرة جداً ـ ضدّ السلطة ، من خلال الدعاية ، والمال ، والإرهاب لقياداتها ، وما إلى ذلك حتى تمّ اجهاض عملية زحفها على القصر ! وحين علم مسلم بانكشاف أمره ، واعتقال أهم أركان الحركة ، أصدر أمراً للمتطوعين الذين كان يجمعهم في بيوت مجاورة لبيت هاني، أن يهاجموا قصر «الإمارة» . ومن خلال متابعة خطوات مسلم بن عقيل (ع) وطبيعة حركته ، منذ وصول الحاكم المحلي الجديد عبيدالله بن زياد إلى الكوفة نجد أن تسارع الأحداث قد أجهض خطوات الحركة بشكل كامل ، وغير مسيرة العمل التي كانت بعيدة عن العنف ، والمواجهة أساساً ، حيث تحولت أخيراً إلى موقع الدفاع عن النفس ، وأصبح رجالها بين الموت ، والحياة ... على أن هناك فراغاً في حركة الأحداث ، فإن التاريخ لم يحتفظ بمعلومات عن كيفية الهجوم على قصر الإمارة ، وكيف فشل الإنقلاب العسكري الذي قاده مسلم ، وماهي معوقات نجاحه ، وكم عدد الذين صمدوا في وجه الطغاة ، وماذا كان مصيرهم ، وكيف تسلل مسلم بن عقيل (ع) بعد ذلك بعيداً عن قبضة الطغاة ، وكيف صار وحيداً ... يبحث عن مأوىً له . إنّني أشكك في قصة تسلله إلى دار امرأة ، وهو البطل الهاشمي المعروف ، وكيف لم يصمد في المقاومة عند قصر الإمارة حتى الموت ، كما فعل في اليوم الثاني ؟ هناك أسئلة تبقى حائرة حقاً في هذا المقطع من حركة مسلم (ع) في الكوفة ، على أني أشك في بعض المعلومات التي تذكرها «المقاتل» فلربّما دسها بعض المغرضين من أنصار الحزب الأموي ، وعملاؤه !! وهكذا تمّ اخماد تلك الجهود الكبيرة التي بذلها المخلصون من الباحثين عن الإصلاح ، والخلاص على يد إمام مصلح من أهل بيت محمد (ص) ذلك هو الحسين بن علي عليهما الصلاة والسلام ، وتمت تصفية القائد مسلم بن عقيل (ع) بطريقة مأساوية بعد موقف بطولي فريد شهده حي كندة في الكوفة(36).
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|