سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  محمد رسول الله (ص)الجزء الثاني


في المدينة المنوّرة

سار الرّسول (ص) المهاجر وتوجّه إلى يثرب وسارت معه الآمال الكبار وتعلّقت به نفوسُ المسـلمين في المهجر ، يَرقبون طريقه لعدّة أيّام ، بعد أن تناهى الخبر إلى أسماعهم بهجرته وانطلاقته التاريخية الخالدة، وقد تملّكهم الخوف وسيطر عليهم الحزن عندما طال الانتظار ، وأصبحت المدّة في حسابهم تفوق الزمن الكافي لقطع الطريق .
فكانوا يَخرجونَ بعدَ صلاةِ الصبح ويقفون في مشارف يثرب حتّى تغلبهم الشمس والحرُّ فيعودوا إلى بيوتهم .
وفي يوم من أيّام الانتظار وقفوا كعادتهم ينتظرون مقدم الرّسول (ص) ، ويرجون طلوع الفجر الصادق في أرضهم المباركة ، إلاّ أنّهم لم يحظوا بمقدمه فعادوا إلى بيوتهم، وجلسوا يتحدّثون وقلوبهم متعلّقة بالامل والمنقذ والهادي العظيم ، وبينما هم كذلك حتّى رأى أحدُ اليهـودِ قادمين غرباءَ فشخّص أنّ القادم هو نبيّ الاسلام ، فصاحَ بأعلى صوته : (يا بني قيلة (1) هذا جَدُّكُم (2) قد جاء) .
فتراكض الانصار فرحين مستبشرين نحو الصوت والنداء، فرأوا رسول الله (ص) جالساً في ظلِّ نخلة(3)، فازدحموا عليه يُحيّونَ ويرحِّبونَ ، ويتسابقونَ لاستِضافَتِهِ والتبرّك بالنظر إليه، فاختارَ النّزول ضيفاً على كُلثوم بن هِدْم من بني عمرو بن عوف، وكان المهاجرون قد نزلوا في دار سعد بن خيثمة ، وكان أعزب قد فتح باب بيته للمهاجرين والوافدين من المسلمين ، فكان بيته يسمّى بيت العزّاب .
أقام رسول الله (ص) في بني عوف في (قباء) يوم الاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس ، ولم يكن الرّسول ليحلّ في أرض دون أن يترك فيها أثراً لرسالته ودعوته، لذا فقد أسّس رسول الله (ص) مسجد قُباء ، وبناه ليكون عَلَماً ومناراً للهُدى على مرّ الاجيال .
وقبل خروج رسول الله (ص) من قباء التحق به ركب عليّ بن أبي طالب بعد أن قضى في مكّة ثلاثة أيّام بعد خروج رسول الله (ص) منها ، يؤدّي الودائع ، ويردّ الامانات إلى أهلها ، فقد كانت قريش تأتمنها عند رسول الله (ص) لصدقه وأمانته .
وصل الامام عليّ بن أبي طالب (ع) ومعه الفواطم (فاطمة بنت رسول الله (ص) وفاطمة بنت أسد ـ اُمّ الامام عليّ (ع) ـ وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب وفاطمة بنت حمزة) والتحق برسول الله في قباء وقد أنهكَهُ التّعبُ وتفطّرت قَدَماهُ مِنَ المسير ، فقد كان يسير ليلاً ويختفي نهاراً حتّى وصل المدينة ، فنزل قباء ، فاحتضنه رسول الله (ص) الّذي كان في انتظاره هناك ، وبكى رحمةً به ، ثمّ تفلَ بيده وأمرّها على قدميه فَشُفِيَتا بإذنِ الله ، ولم يشتك منهما الامام عليّ (ع) طيلة حياته فيما بعد .
ثمّ أقام عليّ (ع) مع رسول الله (ص) عند كلثوم بن هدم بقُباء ليلة أو ليلتين ثمّ خرج من بني عمرو بن عوف ، فصلّى (ص) صلاة الجمعة في بطن الوادي (وادي رانوناء) الّذي أسس فيه مسـجداً فيما بعد ، وكانت هذه أوّل صلاة جمعة صلاّها في المدينة المنوّرة .
وبعد أن صلّى رسول الله (ص) تلك الجمعة المباركة ، وهي أوّل جمعة اُقيمت في الاسلام ، وخطب فيهم أوّل خطبة في الاسلام بهذا الشكل الجماهيري العام ركب (ص) ناقته وأرخى زِمامها والآنصار يَزدحمونَ مِنْ حَوْله ، وكلٌّ يريد أن يأخذ بالزِّمام ، ويَحظى بشرفِ نزول رسول الله (ص) حَيَّهُ ، ويعرض على رسول الله (ص) النصرة والبيعة الكاملة ويخاطبه :
«هَلُمَّ يا رسول الله (ص) إلى العدد والعُدّة والمَنَعَة ، فيقول : خلّوا سبيلها فإنّها مأمورة» ، واسـتمرّت الناقة تسير وتخترق أحياء المدينـة يحدو بزِمامها القضـاء ، ويسوقها القدرُ إلى الموضع المقدّس ، إلى حيث يشمخُ مسجدُ رسول الله (ص) الآن ، وهناك حطّتِ النّاقةُ رِحالها ، وضربت جِرانها وأناخَتْ ، عند دار بني مالك بن النجّار ، في مَربد(4) (موضع لجمع التمور) .
وبركت في ذلك الموضع المقدّس ورسول الله (ص) راكب على ظهرها ، ولم ينزل .
وَثَبَتِ النّاقة وسارت غير بعيد ثمّ التفتت وعادت إلى الموضع ذاته ، فأمر رسول الله (ص) أنْ يُبنَى المسجد (المسجد النبوي) في هذه البقعة المباركة الّتي شُخِّصَتْ وحُدِّدَتْ بإرشاد وتوجيه ربّاني ، فَبُنِيَ المسجدُ ليكون أساساً ومنطلقاً لبناء الدولة وإدارة شؤونها ، ومركزاً للعبادة والتعليم وقراءة القرآن والاُلفَةِ والاجتماع ، فكان لرسول الله (ص) ما أراد ، وأصبح هذا المسجد المقدّس مُنطلقاً للدعوة والجهاد والعلم ، ومقرّاً للعبادة والتعارف والتعاون .وهكذا حُدِّدَ موضعُ المسجد وشُرعَ في بنائِهِ من الطين واللبن والسعف وجذوع النخل ، وقد جسّد المسلمون روح الاخوّة والتعاون المثالي في بنائه وتأسيسه ، حيث اشترك الجميع والرسول الكريم معهم يساهم في البناء ونقل الطين والاحجار .
شمخ هذا البناء المتواضع في فنِّه وعمارته؛ شمخ بعزّته الرسالية ومجده الحضاري
العظيم على أيوان كِسرى وبلاط قيصر، وقصور اليمن وكنائس الاحباش ، ذلك لأنّه مسجدٌ وبناءٌ اُسِّسَ على التقـوى ، وقامَ على الهُـدى ، وعُمِّرَ بالعلم والعمل الصالح والعبادة .
ومن يوم وقوف الناقة وتحديد موضع المسجد وحتّى اكتمال بناء المسجد ودور الرّسول (ص) من حوله ، حلّ الرّسول (ص) ضيفاً على أبي أيّوب الانصاري ، في الحجرة السُّفلى مِنَ البيت ، وأقام أبو أيّوب وزوجته في الغرفة العليا مِنَ البيت .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com