قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: محمد رسول الله (ص)الجزء الثاني
الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤسِّس الدولة الاسلامية
الدولة الاسـلامية : هي الدولة الّتي تقـوم على أساس الاسلام وتستمدّ منه تشريعاتها . وهي دولة فكرية قانونية ، تقوم على أساس سيادة القانون الالهي وقيم الحق والعدل واحترام حقوق الآنسان . ومن يلقي نظرة فاحصة متأمِّلة على البناء الفكري والتشريعي والهدف الحضاري للرِّسالة الاسلامية يدرك أنّ الدعوة والدولة وبناء الانسان وتحقيق العبودية لله هي حقائق متكاملة مترابطة لا ينفك بعضها عن بعض في التشريع والممارسة النبويّة ، لذا وجدنا الرّسول الهادي (ص) يُرسي قواعد بناء الدولة في المدينة وهو في مكّة ليلة بيعة العقبة الثانية ، عندما بويع على الدفاع وتوفير القوّة المسلّحة الّتي تعتبر من أبرز عناصر السلطة والدولة ، ويقوم بتعيين النّقـباء الاثني عشر كزعماء وقادة لقومهم تحت إشرافه وولايته الكبرى ، وليضع الاُسس الاُولى للبناء التنظيمي والاداري للمجتمع الجديد . أمّا في المدينـة المنـوّرة وقد توفّرت للرّسـول عناصر بناء الدولة (من الارض والاُمّة والسلطة السياسية المتمثلة في قيادته الحكيمة) ، فقد شرع ببنائها من حين وصوله إلى المدينة ، فأسّس المسجد ليكون منطلقاً للقيادة ومركزاً لبناء الدولة إلى جانب مهام المسجد العبادية والفكرية ، وقد تمثّل بناء الدولة في إشادة العناصر والاجهزة الآتية : 1 ـ ترسيخ الجبهة الداخلية وتقوية البنية السياسية والاجتماعية بخطوات سياسية وأخلاقية أهمّها : أ ـ كتابة ميثاق عمل سياسي واجتماعي بين عناصر المجتمع المدني ، من مهاجرين وأنصار بمختلف قبائلهم، واعتبارهم اُمّة واحدة متساوية في الحقوق والواجبات . ب ـ عقدُ معاهدة سلام وتعاون سياسي وعسكري وعدم اعتداء مع اليهود؛ ليأمن غدرهم وتآمرهم وليحمي ظهر الاسلام والدولة، إلاّ أنّهم خانوا العهد وتنكّروا لمبادئ السلام وكف العدوان والتآمر فحصدوا نتائج فعلهم الخبيث . ومن يمعن النظر في الوثيقة الّتي كتبها رسول الله (ص) بين المهاجرين والآنصار ووادَعَ فيها اليهود وعاهدهم ؛ يكتشف قيمة هذه الوثيقة السياسية والابعاد القانونية لتنظيم البنية الداخلية للمجتمع الاسلامي والعلاقات الخارجية بين المسلمين ، وقوّة اليهود المجاورة لهم آنذاك . وقد ذكر المؤرِّخ الشهير ابن إسحاق هذه الوثيقة وعلّق عليها قائلاً : وكتب رسول الله (ص) كتاباً بين المهاجرين والآنصار، وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرّهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم (10) . ج ـ المؤاخاة بين المهاجرين والآنصار : ثمّ شرع رسول الله (ص) بعد ذلك بالمُؤاخاة بين المهاجرين والآنصار كما آخى بين نفسه وعليّ بن أبي طالب ، لتنطلق الدعوة والدولة على اُسس متينة وبناء اجتماعي راسخ يقوم على اُسس التعاون والحبّ والمساواة الّتي أثنَى القرآن عليها وخلّدها بقوله : (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالاِْيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ). (الحشر / 9) 2 ـ أمّا الخطوة الثانية الّتي خطاها رسول الله في بناء الدولة فهي تكوين الجيش والقوّة المسلّحة عملاً بالاذن الالهي بالجهاد : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأنّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَكَّنَّاهُمْ فِي الاَْرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَللهِِ عَاقِبَةُ الاُْمُورِ ) . (الحج / 39 ـ 41) شرع رسول الله (ص) بعد دخوله المدينة بستّة أشهر تقريباً بتشكيل السّرايا والوحدات العسكرية المسلّحة وتعيين القادة والاُمراء وتنظيم الجيش بعد أن أذن الله له بالقتال في الآية الكريمة الآنفة الذكر . وكان أوّلُ لواء عقده وأوّلُ سريّة بعث بها رسول الله (ص) هي سرية حمزة بن عبد المطلب وقيل بل كان أوّلهم عبيدة بن الحارث ، وقد عد اليعقوبي أسماء الامراء والقادة الّذين عيّنهم رسول الله (ص) لقيادة الجيش والسّرايا والوحدات المقاتلة تحت عنوان الاُمراء على السّرايا والجيوش ، وبذا تشكل هذا الجهاز الحيوي في بنية الدولة ، وممن عدّهم اليعقوبي هم : حمزة بن عبد المطلب ، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ، وعليّ بن أبي طالب ، وعبد الله بن جحش ، ومرشد بن أبي مرشد ، وزيد بن حارثة ، وسعد بن أبي وقاص ، والمنذر بن عمرو الآنصاري ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله ابن رواحة ، وغالب بن عبد الله الكلبي ، وأبو عبيدة الجرّاح ، وعمر بن الخطاب ، وأبو سلمة ، وأبو العوجاء السلمي (11). 3 ـ بناء الجهاز الاداري : المكون من اُمراء المناطق والممثلين عن رسول الله فيها وموظفي المال ، المعنيين بجمعه وحفظه وتوزيعه ، والكتّاب الّذين يكتبون له الوحي أو الرسائل الّتي يبعث بها إلى الملوك والرؤساء ، والمبعوثين الّذين يبعثهم كممثلين له لحمل رسائله وتبليغها إلى الملوك والرؤساء . كان الرّسول (ص) يمثل رأس السلطة السياسية، وله الولاية العامّة على المسلمين جميعاً ، فقد كان يحمل في شخصه الكريم صفتي النبوّة والامامة ، وكان نبيّاً مبلّغاً عن الله سبحانه ؛ كما كان حاكماً وقائداً يمارس قيادة الجيش ومسؤولية القضاء وتمثيلا لمسلمين ، ورئاسة الدولة . وفي تلك الفترة بدأ التثقيف والتشريع السياسي من قبل الوحي والنبيّ الكريم، لتفقيه المسلمين سياسيّاً وتنمية مفهوم الدولة والسلطة والحكم والسياسة والقضاء والولاية والامامة وغيرها من المفاهيم والمصطلحات السياسية . وبذا جاءت العشرات من الآيات والأحاديث النبويّة الكريمة ، وقد اُعطي رسول الله (ص) الصلاحيات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية كافّة ، بقول الله الحق : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ). (الاحزاب / 6) (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِيْ شَيْء فَرُدُّوهُ إَلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ). (النِّساء / 59) كما ثبّت القرآن بعد ذلك وُجوبَ طاعة الرّسول ووجوب طاعة ولاة الامر الّذين يتحمّلون مسؤوليات القيادة الادارية والعسكرية والمالية والسياسية ... الخ ، الّذين يعيِّنهم الرسول بقوله : (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنْكُمْ ).( النِّساء / 59 ) وقد انتهج الرّسول (ص) سياسة الشورى في ادارة شؤون الاُمّة ، رغم أنّه مُسدّد بالوحي بعد أن أمره سبحانه بقوله : (وَشَاوِرْهُم في الاَمْرِ فَإذَا عَزمْتَ فَتَوكَّل عَلَى الله ) . وتشهد بعض الاحداث والوقائع العسكرية والسياسية في حياة الاُمّة أن رسول الله (ص) كان يُشاورُ أصحابه ويحترم رأيهم ويُثريهِ ، بل ويأخذ برأيهم في بعض الاحيان عندما يرى المصلحة في ذلك لا سيما في الاُمور الّتي هي ليست من شؤون التشريع وتثبيت الاحكام الّتي يختص بها الوحي والرّسول (ص) . 4 ـ التشريع : ويعتبر التشريع السياسي والمالي والقضائي والاداري والمدني من أهم مقوّمات الدولة والمجتمع الإنساني المتحضِّر. ولقد أوضح القرآن الكريم للبشرية أنّ مجتمعهم مجتمع قانوني ، وأنّ ما أنزله الله هو كتاب شامل لم يترك شيئاً تحتاجه الاُمّة إلاّ وبيّنه أو ثبّت اُسسه وأحالَ على الرّسول (ص) إيضاحه وتفصيله . ففي المدينة المنوّرة بدأ نزول آيات التشريع المالي والجهادي والقضائي والسياسي والمدني ... الخ ، فنزلت آيات الجهاد والعقوبات والخمس والزكاة والمواريث والزواج والطلاق والنفقة والعلاقة بغير المسلمين وشؤون المال والتجارة والدَّين والرهان والعلاقات الاجتماعية ... الخ . كما أغنت السنّة النبويّة التشريع الاجتماعي بالفعل والممارسة التطبيقية والاقرار ، إضافة إلى البيان اللّفظي للأحكام والقوانين الاجتماعية اللاّزمة لتنظيم المجتمع ، حتّى أصبحت تلك الأحكام والاُسس مصدراً للفقه والاجتهاد في هذا المجال فيما بعد . وبإمكاننا مراجعة آيات الأحكام الّتي عدّها الباحثون خمسمائة آية تقريباً في العبادات والمعاملات ، إضافةً إلى آلاف الاحاديث النبويّة والافعال والممارسات الصادرة عنه (ص) الّتي يسلك الكثير منها سلوك القواعد التشريعية الكبرى الّتي تُغطِّي مختلف جوانب الحاجة القانونية لتنظيم وإدارة المجتمع البشري المتطوِّر . 5 ـ العلاقات الخارجية : وبعد أن تجسّد البناء السياسي والاداري والسّلطوي للدولة بدأ رسول الله (ص) بالدخول إلى ميدان السياسة الخارجية كقوّة سياسية وعقائدية كُبرى تستهدف قيادة العالم في طريق الهُدى والخير والسّلام . وقد تمثّل هذا الدخول السياسي بمخاطبة القادة والملوك ، ودعوتهم إلى الاسلام ، أمثال ملك الروم وملك الفرس وملك الحبشة وزعماء النصارى في بلاد العرب وغيرهم، كما تمّ استقبال السفراء والمبعوثين من كثير من القادة والزعماء ، وقبول هدايا البعض منهم ؛ إقراراً للصحيح من العرف الدبلوماسي الّذي تتعامل به الدول ، وتثبيتاً لمبادئ السياسة الخارجية للدولة الاسلامية . وبذا برزت الدولة الاسلامية كقوّة سياسية كُبرى تسير في علاقاتها على هَدْي عقائدي وقانونيٍّ مُتْقَن . ويُثبِّت القرآن الكريم وسنّة الرّسول (ص) العمليّة ما يلي : إنّ محور السياسة الخارجية في الدولة الاسلامية هو (الدعوة إلى الله) ، فالدعوة هي محـور نشاط الدولة الاسلامية ، والقوّة المحركة فيها ولها ، وهي الّتي تجعل من الدولة قوّة فكرية وحضارية ذات دور قيادي في البشرية ، وعندما تتخلّى عن حمل الدعوة الاسلامية ، تتحوّل إلى جهاز إداري وخَدَمي وسُلْطَوي فقط . إنّ الدولة في المفهوم الاسلامي هي أداة لخدمة المبادئ ، وحمل الرسالة الاسلامية إلى العالَم ، وهي الوكيل الشرعي عن الاُمّة ، والممثل لاهدافها ، والمتحمّل لمسؤولية الاسلام والإعمار وإقامة العدل فيها . إنّ نمط العلاقات الخارجية في الدولة الاسلامية كالحرب والسلام والصلح والتعامل والمقاطعة والمرونة والحدّية ... الخ ، تحددها مصالح الاسلام والمسلمين . وعلى أساس الموقف من الاسلام قسّم الفقهاء الدول والافراد إلى قسمين : (محارب ومعاهد) . وعليه يُبنى التعامل والعلاقات الخارجية والداخلية مع مراعاة الظروف العارضة والحالات الطارئة وتكييف الموقف السياسي تجاهها ، ثمّ العودة إلى العمل بالحكم الاوّل بعد زوال الطارئ والعارض . وقد رأينا من سيرة الرسول الكريم أن سياسته في التعامل مع القوى السياسية والدول القائمة على أساس الافكار الجاهلية الوثنية أو الكتابية كالآتي : 1 ـ دعوتهم إلى الاسلام عن طريق الحوار والمراسلات والمبعوثين . 2 ـ إعلان الحرب والقتال على المعاندين وأعداء الاسلام والانسان ، كما فعل مع طغاة الروم وقريش واليهود وكثير من قبائل العرب . 3 ـ الصّلح وعقد المعاهدات ؛ كصلح الحديبية وموادعة اليهود وصلحه مع نصارى نجران .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|