اسم الكتاب: محمد رسول الله (ص)الجزء الثاني
غزوة بني قَيْنُقاع
منذ أن دخل الرسول الهادي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة المنوّرة شعر - بحكمته وبالتوجيه الالهي الّذي كان يتلقّاه - بخطر اليهود ، وما يمكن أن يقوم به هؤلاء الاعداء من محاربة وعدوان على الدعوة والدولة والرسالة . ولكي يقيم الحجّة عليهم ، ويشلّ النشاط التخريبي الّذي يمكن أن يقوموا به ، قام (ص) بإبرام معاهدة مع يهود بني قريظة وبني قينقاع وبني النضير، على أن لا يحاربوه، ولا يُعينوا أحداً على حربه ، لتجميد هذه الجبهة ، وتوفير المجال أمام حركة الدعوة والدولة وانطلاقتها في العالم . كان اليهود يشكِّلون قطّاعاً مهمّاً في مجتمع المدينة ، وقد تمرّسوا على التخريب وإثارة الفتن والتجسّس، ولديهم ثروة مالية هائلة اكتسبوها من تجارة الذهب والفضّة، وأعمال الصياغة ، كما كان لديهم قُرىً زراعية غنيّة ، ويملكون تأريخاً حضارياً وتراثاً دينياً يُمكِّنهم - رغم تحريفهم له ، وإدخالهم الخرافات والاساطير عليه - من المقاومة أكثر ممّا يُمكِّنُ الفكر الوثني أتباعَهُ من ذلك . شعر يهود بني قينقاع بالخوف من قوّة الاسلام، وتعاظم قدرة المسلمين العسكرية، بعد النصر الّذي حقّقوه في معركة بدر الكـبرى ، ممّا دعاهم إلى نبذ العهد ، وإلغاء المعاهدة ، فكانوا بذلك أوّل قبائل اليهود الّتي نقضت العهد مع رسول الله (ص) . ويهود بني قينقاع كانوا صاغة يعملون في صياغة الذهب والمتاجرة به . وكانوا حلفاء لِعَبادة بن الصامت (رض) ولعبد الله بن اُبَيْ بن سلول، زعيم المنافقين في المدينة . وانسياقاً مع الغرور والتحلّل الاخلاقي الّذي اتّصف به اليهود ، أقدم أحدهم على الاساءة إلى امرأة مسلمة كانت قد دخلت سوق الصّاغة اليهودي لشراء بعض الحلي منها . فدفع النزق والسقوط الاخلاقي الصائغ اليهودي إلى الاعتداء على كرامة تلك المرأة المسلمة الّتي كانت تحتشم بالحجاب ، وهي جالسة أمام دكانه . لقد عقد ذيل ثوبها إلى أعلى الثوب في ظهرها ، وهي لا تشعر بهذا الغدر والتجاوز ، فلمّا قامت تلك المرأة المسلمة ، انكشفت عورتها ، فسخر اليهود منها وضحكوا ، فصاحت تلك المرأة مستغيثة غاضبة ، لقد أثار هذا العدوانُ على كرامة المسلمين واستغاثة المرأة المسلمة أحد المسلمين الحضور ، فانقضّ على اليهودي فقتله جزاءَ جريمته وعدوانه . وقد أثار هذا الخبر المؤلم غضب رسول الله (ص) والمسلمين في المدينة ، ورأى أن ينكل بأولئك اليهود بعد أن أمكنه الله منهم بنقض العهد والاعتداء على عرض المسلمين وكرامتهم . كما دفع هذا الحدثُ المشين عبادةَ بن الصامت إلى البراءة من التحالف معهم ، في حين تمسّك رأس النفاق عبد الله بن اُبَي بن سلول بتحالفه معهم فحرّضهم على مواجهة المسلمين لمّا رأى تهديد رسول الله (ص) لهم ، وعزمه على شنِّ حرب عليهم . غير أنّ رسول الله (ص) لم يكن يبدأ بالقتال قبل الدعوة إلى الاسلام ، وبالحكمة والموعظة الحسنة ، فجمع بني قينقاع ، وعرض عليهم الدخولَ في الاسلام ، وذكّرهم بهزيمة قريش يوم بدر ، وأنذرهم بمثلها ، فردّوا عليه بغرورهم المعهود ، بأنّهم أقدرُ مِنْ قريش على الحرب والمواجهة ، وقالوا : (إنّا والله لو حاربناك لَتَعْلَمُنّ أنّك لم تقاتل مِثلَنا) . وهكذا تواجه الفريقان ، وبدأت المنازلة ، فتحصّن اليهود في حصونهم ، وجمع رسول الله (ص) أصحابه ، وأعطى راية المعركة (الراية البيضاء) لعمّه حمزة ، فسار إليهم بجيشه وعزيمته يؤيِّدُهُ نصرُ الله ووعدُهُ الحقُّ ، في النصف من شوال ، في السنة الثانية من الهجرة ، فقذف الله في قلوبهم الرّعبَ ، واستولى عليهم الخوفُ والجبنُ ، واستمرّ الحصارُ خمسة عشر يوماً ، فطلبوا الصُّلحَ مِن رسول الله (ص) . وقد تنازلوا عن أموالهم وسلاحهم له ، مقابل العفو عنهم ، وفسح المجال أمامهم ، للجلاء من المدينة ، فرضي رسول الله (ص) بالصُّلح ، وأنفَلَ اللهُ رسولَهُ أموالاً وسلاحاً كثيراً في هذه الغزوة ، فخرج بنو قينقاع إلى أذرعات في بلاد الشام بعد ثلاثة أيّام من الموافقة على الصُّلح أذلاّء مدحورين .
|
|