اسم الكتاب: محمد رسول الله (ص)الجزء الثاني
الشّورى والقرار
وجرياً على عادته، فقد شاور رسول الله (ص) أصحابه في الموقف ، وأخبرهم بخطّة قريش وعدوانها الّذي تُعِدُّ له . فاتّفق الجميع على صدِّ العـدوان ومقاتلة المشركين ، واستمرّ الحوار في تحديدِ اُسلوب المواجهة والموقع الّذي تتمُّ فيه المنازلة . فكان رأي رسول الله (ص) أن لا يخرج المسلمون من المدينة ، وأن يُسحبَ العدوُّ إلى داخلها فتَتَشتَّتَ قُواهُ في الشوارع والطّرق والأزقّة ويُضربَ المُعتدونَ مِن كلّ مكان ، ويساهم الشيخ والمرأة والصبيّ بالحجارة وإلقاء النّار من فوق أسطحِ البيوت ليكونوا عوناً للمقاتلين المسلمين ، فإنّ حربَ المدن في هذه المعركة أفضل للمسلمين من حرب الصحراء المكشوفة ، والمنازلة المعهودة ، لتفوّق العدوّ في العَدَد والعُدّة . كان هذا رأي رسول الله (ص) ورأي عدد من أصحابه ، في حين عارض فريق آخر من الصحابة ، وكانوا الاكثر عدداً ، هذه النظرية القتالية ، إذ نظروا إلى الموقف من اُفق آخر ، وقالوا : نخرج إليهم خارج المدينة ، ونقاتلهم هناك ، ولا نجعل مدينتنا ساحة للحرب . فوجد رسول الله (ص) أنّ المصلحة في مثل هذا الظرف هو عدم مخالفة الاكثرية من أصحابه لا سيما وأنّ الّذي وقع الخلاف فيه ليس حكماً شرعيّاً ولا وحياً إلهيّاً ، بل هو موضوع عسكريّ فُوِّضَ للجماعة الاسلامية أن تتشاور فيه وترى ما يناسب ظروفها وقدرتها العسكريّة . فلم يُلزِمِ الرّسول محمّد (ص) أصحابه برأيه، وقد غاب عن اُولئك النفر ما يملكه رسول الله (ص) من قدرة على التشخيص ، وحكمة في التقدير والتدبير . فلم يُدرِكوا ذلك إلاّ بعد أن استعدّ رسول الله (ص) للخروج والمنازلة ، فأحسّوا بالخطأ وجاؤوا يطلبون من رسول الله (ص) البقاء في المدينة والنزول عند رأيه الحصيف . فرفض الرّسول (ص) وقال : « لا ينبغي لنبيّ أن يَلبسَ لامتَهُ فيضَعَها حتّى يُقاتلَ »(18). وواصل رسول الله (ص) موقفه واستنفر الناس ، فاجتمع حوله ألف مقاتل ، وسلّم راية المهاجرين وقيادتهم للامام عليّ بن أبي طالب (ع) ، وأعطى راية الآنصار وقيادتهم لسعد ابن عبادة . ولم يكن جيش المسلمين متكافئاً مع ما حشّد المشركون من عدد وعدّة ، فقد كان جيش المشركين يحوي ثلاثة آلاف مقاتل . وسارت جحافل الجهاد يقودها رسول الله (ص) ويحثّها الايمان على مواجهة الشِّرك والطّغيان ، رغم التفوّق في العَدد والعُدّة ، غير أنّ المندسّين وعناصر النفاق تحرّكت داخل الجيش الاسلامي ، بقيادة عبد الله بن اُبَي بن سلول ، لتوجيه طعنة للمسلمين وإحداث هزيمة نفسية في أوساطهم ، فانسحبوا جميعاً قبل الوصول إلى ساحة المعركة ، وكان عددهم ثلاثمائة منافق ، فواصل رسول الله (ص) مسيرة الجهاد والعزم على منازلة العدوّ بسبعمائة مقاتل ، الّذين أضحى عددُهُم أقلَّ مِن رُبع قوّات العدوّ .
|
|