سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  محمد رسول الله (ص)الجزء الثاني


وبدأت المعركة

التقى الفريقان عند جبل اُحُد ، ووضع رسول الله (ص) خارطة المعركة ، وحدّد مواقع جيشه ، فوضع الرماة عند رأس الشعب ، وكان عددهم خمسين مقاتلاً ، ليوفّر حمـاية خلفية للجيش الاسلامي ، وليُمْطَرَ العدوُّ بوابل السهام ، فأوصاهم بعدم ترك مواقعهم، وشدّد عليهم في ذلك ، لئلاّ تُفْتَحَ ثغرة في انتشار القوّات فيتسلّل منها العدو .
وبدأت المعركة، وكان النصرُ حليفَ المسلمين، فاستولت قوّاتُهُم على ساحة المعركة، وانهزم العدوُّ ، وحازوا مغانم كثيرة .
إستهوت الغنائم النفوس ، فترك الرماة مواقعهم واندفعوا نحو الغنائم ، غير أنّ قائدهم رفض أن يتركَ موقِعَهُ ، وحاول أن يُقنِعَ قوّاتِهِ بالبقاء في مواقعهم ، وذكّرهم بأوامر رسول الله (ص) بعدم ترك المواقع ، فلم يُفلِحْ .
لقد أحدث ترك الرّماة مواقعهم ثغرة في صفوف المجاهدين فاستغلّها خـالد بن الوليد ، قائد المشركين آنذاك ، فالتفّ على قوّات المجاهدين من خلفهم ، فتسبب هذا الهجوم بانكسار الجيش الاسلامي وبعثرته وانهزامه .
فلم يبق مع الرّسول (ص) غيرُ حمزة بن عبد المطلب ، ومصعب بن عمير ، وعليّ ابن أبي طالب ، وقليل من أصحابه .
وكانت الخسارة فادحة، والهزيمة كبيرة - عندما خسر المسلمون حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير .
كان حمزة ضحيّة الحقد والثأر الحقود ، فقد أغرت هند ـ زوجة أبي سفيان ـ وحشيّاً ـ وهو عبد حبشي لجُبَيْر بن مُطْعِم ـ بقتل حمزة ، فاستطاع أن يحقِّق ذلك الحقد ، ويغتال حمزة ، حمزة الّذي كان قد أبلى بلاءً حسناً يوم بدر واُحُد ، ولم يكتف القتلة المجرمون بذلك ، بل وأغراهم الحقد وحميّة الجاهلية بالتمثيل بحمزة وشقِّ بطنه وقطعِ أنفه وأذنيه ، بل وتناولت هند كبد حمزة فلاكتها بأسنانها تَشَفِّياً وانتقاماً .
لقد أثّر هذا الموقف المأساوي في نفس الرّسول (ص) وأصحابه فتوعّد قريشاً بالعقاب والآنتقام المضاعف ، فخاطبه الباري جلّ شأنه بقوله :
(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ).(النّحل/126)
فقال (ص) : (أعفو) . معبّراً عن خلقه في الحرب والسلم ، وتعامله مع العدوّ والصّديق (19).
فكانت معركة اُحُد التجربة العسكرية القاسية والاختبار الصعب الّذي مرّ به المسلمون .
ولاهميّة هذا الحدث وضرورة معالجته ، وتشخيص الأخطاء ومواقع الضعف فيه ، والتغلّب على الهزيمة نفسيّاً وميدانيّاً ، أنزل الله سبحانه آيات عديدة تتحدّث عن أحداث اُحُد وما جرى فيها من خطأ وضعف ومواقف ومناقشات .
ثمّ أمر الله سبحانه نبيّه الكريم أن يدعوَ أصحابه في اليوم الثاني من الهزيمة والانكسار إلى التهيؤ لشنِّ الحـرب على قريش ، مع ما بهم من جراحات وآلام ؛ لاستعادة المعنوية ، وإيجاد وضع نفسي متماسك للمسلمين ، والاعلان الحرب النفسية والاعلامية على قريش، والايحاء لها بقوّة المسلمين وقدرتهم على المهاجمة والمواجهة، فاستجاب المسلمون لامر الرّسول (ص) ، وقدّم الرسول الامام عليّاً ، وأعطاه راية المهاجرين ، فحملها بقوّة وشجاعة ، واتّجه بقوّات المجاهدين لمطاردة أبي سفيان حتّى وصل منطقة تُدعى (حمراء الاسد) ، فتوقّف فيها وأقام ثلاثة أيّام .
أمّا أبو سفيان فقد عاد إلى مكّة ، واستقرّ بالروحاء ، وهو يفكّر بالهجـوم مرّة اُخرى على المسلمين والقضاء على قوّتهم ، فلقيه مَعْبَدُ الخزاعيّ ، وهو ممّن يتعاطف مع رسول الله (ص) ، وكان مَعْبَد قد رأى رسول الله (ص) وأصحابه في حمراء الاسد وتحدّث معهم فيما جرى في اُحُد ، فرأى أن يعتمدَ الحرب النفسية ضدّ أبي سفيان ، ويحـولَ دون ما يُريدُ ، فأجاب أبا سـفيان عندما سأله عن أوضاع محمّد (ص) وأصحابه ، أجابه بأنّ محمّداً (ص) قد جمع جيشاً لم يُرَ مثلُهُ من حيث العدد والعدّة ، وأنّ أصحاب محمّد (ص) قد ندموا على ما حدث في اُحُد .
فأجابه أبو سفيان : ( إنّنا عَزَمنا على الرجعة إليهم واستئصالهم ) .
فقال معبد : ( إنّي أنهاك عن ذلك ) .
فصدّق أبو سفيان ما صوّره معبد الخزاعي ، وتراجع عن رأيه ، وانسحب إلى مكّة ، وكَفَى الله المؤمنين القتال .
وقد حقّقت حركة الرّسول (ص) العسكريّة هذه أهدافها الاعلامية والنفسية .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com