اسم الكتاب: محمد رسول الله (ص)الجزء الثاني
ما بعد الوثيقة :
لقد خرج رسول الله من المدينة ليزور البيت الحرام ، وكان قد رأى رؤيا في المنام أنّه ومن معه يَدخلون البيتَ الحرام مُحلِّقين شعرهم ومُقصِّرين : (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ) .(الفتح/27) وحين صُدّ رسول الله (ص) عن أداء العمرة وأمَرَ بالحلق والتقصير وذبحِ الهدي خارج مكّة ، وقَبلَ بالصلح وِفقَ ما وردَ في نصوص المعـاهدة ؛ تأثّر البعض من المسلمين وأحسّوا بخيبة الامل، جرّاء بعض بنود المعاهدة كردّ المسلمين الّذين يفرّون من مكّة إلى المشركين ، وأظهر بعضهم جزعه وتساؤله ، إلاّ أنّ النتائج جاءت على خلاف تصوّر البعضِ مِن المسلمين؛ فقد بدأت نتائجها الايجابية وآثارها الاعلامية والاجتماعية تظهر وتتفاعل لِتُمَهِّدَ لِتَحَوُّل كبير ، وبدأ المسلمون يُدركون قيمة هذه المعاهدة الّتي شلّت نشاط قريش المعادي ، وفسحت المجال أمام الدعوة الاسلامية لِشَقِّ طريقها بين قبائل العرب ، فأقبل الناس على الدخول في الاسلام (26). وآمن المُخفونَ إسلامهم فأعلنوا دينهم ومكّن الله نبيّه من دخول مكّة وأداء مراسم العمرة في العـام القابل ، فقد وَفَتْ قريش بنصوص المعاهدة المتعلِّقة بأداء العمرة ، وقد اعتنى الوحيُ الالهي بهذه الحوادث وحلّل نتائجها وفوائدها ، فسمّى معاهدة الحديبية بالفتح ، لأنّها كانت الخُطوة الكُبرَى الّتي مهّدت لفتح مكّة . وكان الصحابي البراء بن عازب، يؤكِّد هذه الحقيقة وهو يخاطب بعض معاصريه : (تَعُدّون أنتم الفتح فتحَ مكّة، وقد كان فتح مكّة فتحاً ، ونحن نَعُدُّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية)(27). وكان الفتح مستبطناً لما جرى من أحداث وتطورات سياسية وعسكرية ، فقد استفاد الطرفان من نصوص المعاهدة في بادئ الامر؛ فتعاقدت خزاعة مع رسول الله (ص) وتعاقدت كنانة مع قريش ، ثمّ اعتدت كنانة على خزاعة فأعانت قريش حلفاءها واستنصرت خزاعة رسول الله (ص) فنصرها، وبذا بدأت أحداث الحديبية تتفاعل وتُعطي نتائجها .
|
|