سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  محمد رسول الله (ص)الجزء الثاني


غزوة مؤتة

لقد كان للتخطيط السياسي والنشاط العسكري الّذي مارسه الرسول القائد (صلى الله عليه وآله وسلم) نتائج وآثار عظيمة ، في مسيرة الدعوة الاسلامية ، وقوّة الدولة ، وامتداد اُفق الانسان المسلم النفسي والمعنوي وتطلّعه الكبير نحو آفاق وأبعاد جديدة ؛ فقد أفلحت الخطّة النبويّة في صلح الحديبية بتجميد عدوان قريش ، كما أفلح بتحقيق النصر على قوّة اليهود العسكرية ومؤامراتهم الدنيئة ، وبذا أخرج أكبر قوتين في مكّة والمدينة من دائرة الصراع ليتفرّغ لمجاهدة القُوى الكبرى خارج الجزيرة ولتتحرّك الدولة والدعوة الاسلامية كقوّتين
عالميتين وانطلاقة بشرية كبرى ؛ ولتحقيق ذلك بادر إلى غزو الروم في جمادى الاولى من سنة ثمان للهجرة ، وبعد أن اتّخذ قراره التاريخي هذا جهّز جيشاً بقيادة زيد بن حارثة وكان تعداد الجيش ثلاثة آلاف مقاتل .
ثمّ اتّخذ اجراءً احتياطياً يُنبئ عن رؤية الرّسول (ص) لمستقبل المعركة ، فعيّن زيد ابن حارثة وعيّن جعفراً بدلاً عن زيد إن اُصيب ، وعيّن عبدالله بن رواحة بدلاً لجعفر(34) إن اُصيب أيضاً ، وسار الجيش يحمل راية الاسلام ويتحدّى غرور هرقل الرّوم وكبرياء الامبراطورية ، رغم التفوّق العسكري وبُعْد المسافة المُرهِق وتأخّر وسائل النقل ، لقد أعدّ هرقل جيشاً كثيفاً قوامه مائة ألف مقاتل من الرّوم ومائة ألف اُخرى من المستعربة ، وسار جيش محمّد (ص) ونزل معان ، وتدارس القادة الموقف العسكري بعد أن توفّرت لديهم معلومات عن عدد الجيش واستعداده ، فقال بعضهم : نكتب إلى رسول الله (ص) لنُعْلِمه بالموقف واختلال الموازنة العسكرية وننتظر أوامره .
وكما كان للدراسة والتقويم الميداني دوره في تحديد الموقف ؛ كان للتربية المعنوية والايمانية دورها في صنع القرار وتحديد الموقف في ساعة العسرة ، لقد تجسّد ذلك واضحاً في عبارات عبدالله بن رواحة الّتي قال فيها :
«يا قوم ! والله إنّ الّذي تَكرهون للّذي خرجتم تَطلبونَ الشّهادة ، وما نقاتل الناس بعَدد ولا قوّة ولا نقاتلهم إلاّ بهذا الدِّين ، فانطلقوا فما هي إلاّ إحدى الحسنيين ، فقال الناس : صدق والله ، وساروا».(35).
وبدأت المعركة والتقى الجيشان في قرية مؤتة واستشهد القوّاد الثلاثة ، ثمّ انسحب الجيش وعاد إلى المدينة .
لقد حقّقت هذه الغزوة نقلة نفسية ، ودرساً معنويّاً في تحدِّي القُوى العُظمى ، ونقلِ الاسلام ودولته إلى مستوَى التحدِّي الكبير ، وتأكيد الثقة بالله سبحانه وبقوّة المؤمنين وإصرارهم على اكتساح الطواغيت مهما تكن قوّتهم ؛ ليتصاغر الآخرون أمام قوّتهم ولتتجه الانظار إلى الدعوة الالهيّة الرائدة فَيَقْوى معسكر الايمان .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com