سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  محمد رسول الله (ص)الجزء الثاني


فتح مكّة

(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوّاباً ) .
واستمرّت نتائج صلح الحديبية تتفاعل وتفرز النتائج الايجابية لصالح الدعوة والدولة ، فانضمّت خزاعة إلى معسكر رسول الله (ص) ، وانضمّت كنانة إلى معسكر قريش ، فقام حلفان في فترة الصلح والسلام .
وشاء الله سبحانه أن تتهيّأ أسباب النصر الكبير والفتح المبين .
فينشب الصراع بين كنانة وخزاعة ، وتهجم كنانة على خزاعة ، وتنضم قريش إلى حلفائها ، وتستنصر خزاعة محمّداً (ص) ، فيستجيب لزعيمها بقوله المشهور : «قد نصرت يا عمرو بن سالم»(36) .
شعر أبو سفيان بخطورة المجازفة الّتي أقدم عليها وأحسّ بالخطر يطوِّق موقفه ، فاتّجه إلى المدينة ليؤكّد العهد مع رسول الله (ص) وليتفادى نتائج الاحداث المتفاعلة بعنف وقوّة . لقد نزل علَى ابنته اُمّ حبيبة زوجة رسول الله (ص) ليتصل برسول الله (ص) ويعتذر عمّا حدث تجاه خزاعة ، إلاّ أنّ أبا سفيان جُوبِهَ بما لم يكن يتوقّعه ، فقد فوجئ بابنته اُمّ حبيبة تطوي الفراش ولم تسمح له بالجلوس عليه وهو يدخل بيتها ، وتقول له : «إنّ هذا فراش رسول الله (ص) وأنت مُشْرِك نَجِس ، فلا تجلس عليه» .
فيذهب إلى رسول الله فيكلِّمه ، فلم يرد عليه شيئاً ، ويحاول أن يستنجد ببعض صحابة رسول الله (ص) وأهل بيته فيطلب من أبي بكر ومن عمر ومن عليّ ومن فاطمة بنت رسول الله (ص) أن يشفعوا له عند الرّسول (ضص) فلم يستجب له
واحد منهم ، وييأس أبو سفيان ويعود إلى مكّة يجر أذيال الخيبة والمهانة .
ويعد رسول الله (ص) أصحابه ، ويستنفرهم للفتح الكبير ويجهّز جيشاً من عشرة آلاف مقاتل ، ويسير سرّاً ليبغت قريشاً ، وليصادر إمكانية الدفاع من يدها ، ولئلاّ يقع قتال في مكّة الامن والسلام . ويدعو ربّه : «اللّهمّ ! خُذِ العيون والاخبار عن قريش حتّى نَبْغَتَها في بلادها» (37).
وتراقب قريش الموقف ، وترصد تحرّك محمّد ، فيكتشف حاطِبُ بن أبي بلتعة أحد المتحالفين مع قريش المسير إلى مكّة فيكتب إليها بذلك ، ويحمّل الكتاب امرأة من المتعاونين معه ،
فتضع الكتاب في ضفيرتها، وتتّجه إلى مكّة ، ويهبط الوحي فيخبر محمّداً بهذا العمل الجاسوسي الخطير ، ويبعث رسول الله (ص) الامام عليّاً والزُّبير بن العوام ليقبضا عليها ، فأدركاها في منطقة الحليفة ، وانتزع منها عليّ الكتاب بالتهديد والقوّة فأرجعاها إلى المدينة المنوّرة .
ويتحرّك جيش رسول الله في العاشر من رمضان سنة ثمان للهجرة ، ويتوجّه سرّاً حتّى يطوِّق مكّة ، ويخرج أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء ليتجسّسوا الاخبار ، فيفاجأوا بالنيران تطوِّق مكّة .
استخدم الحرب النفسية في هذه الغزوة فأشعل النيران في الصحراء على مقربة من مكّة ، لِيُشْعِر قريشاً بقوّة الجيش ويُثير الرّعبَ في نفوس الطّغاة ، ويحملهم على الاستسلام والخضوع من غير قتال .ويلتقي العباس بن عبدالمطلب بأبي سفيان خارج مكّة ويشير عليه أن يذهب إلى رسول الله ، ويصطحبه العباس معه ويدخله على رسول الله (ص) فيستأمن له منه (ص) فيقول له : «إذْهب فقد آمنّاه حتّى تَغدُوَ به عليَّ بالغداة»(38) .
وفي اليوم الثاني يُدخِلُ العباس أبا سفيان على رسول الله (ص) فيخاطبه (ص) قائلاً : «ويحك يا أبا سفيان ألَم يَأنِ لكَ أن تَعلمَ أنّهُ لا إله إلاّ الله ؟ قال : بأبي أنتَ واُمِّي ما أحلمَكَ وأكرمَكَ وأوصلَكَ ، واللهِ لقد ظننتُ أن لو كان مع الله إله غيره ، لقد أغنى عنِّي شيئاً ، بعد ، قال : ويحك يا أبا سفيان ألَم يأنِ لَكَ أن تَعلمَ أنِّي رسولُ الله ؟ قال : بأبي أنتَ واُمِّي ما أحلمَكَ وأكرمَكَ وأوصلَكَ ، أمّا هذه واللهِ فإنَّ في النّفسِ منها حتّى الآنَ شيئاً»(39).
ويتدخّل العباسُ لانقاذ رقبة أبي سفيان فيخاطبه : «ويحَكَ أسلِمْ واشْهَدْ أنْ لا إلهَ إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله ، قبلَ أنْ تُضْرَب عُنُقُكَ»(40).
وهكذا ينطق أبو سفيان بالشهادتين ، وتنهار قمة القيادة الوثنية ، وينهارُ البناء الجاهلي بأكمله . ويأمر الرّسول (ص) العباس بن عبدالمطلب أن يقف بأبي سفيان حيث تمرّ جنود الله ليرى عظمة الاسلام وقوّة جيش المسلمين ، وينفِّذ العباس أوامر رسول الله (ص) ويقف بأبي سفيان عند خَطْمِ الجبلِ ، وتمرّ كتائب الفاتحين ، ويستولي عليه الرّعب ، ويتحدّث بلغة الجاهلية فيخاطب العباس قائلاً : «لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً» ، فيردّ عليه العباس بلغة الايمان وعقلية الموحِّد : «ويحَكَ إنّها النبوّةُ» .
ويحاول العـباس أن يتعامل مع التركيب النفسي لشـخصية أبي سـفيان ويوجِّه موقعه القيادي لصالح الفتح المبين فيقول للرّسول (ص) : « يا رسول الله ! إنّه يحب الفخر ، فاجعل له شيئاً يكون في قومه، فقال ، [(مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمِن ، ومَنْ دخل دار حكيم بن حزام فهو آمِن ، ومَنْ دخلَ المسجدَ فهو آمِن ، ومَنْ أغلقَ بابه فهو آمِن)] »(41).
وكان (ص) «قد عهد إلى اُمرائه أن لا يقتلوا أحداً إلاّ مَنْ قاتَلَهُم» (42).
وتحقّق النصر الكبير ، ويدخل رسول الله مكّة فاتحاً منتصراً من غير قتال ولا سفك دماء غير بعض المناوشات الجانبية الّتي وقعت بغير علم رسول الله (ص) ، يدخل مكّة متواضعاً مستغفراً مسبِّحاً بحمد ربِّه ، فيقف (ص) على باب الكعبة ويقول : «لا إله إلاّ الله وَحدَهُ ، صَدَقَ وَعْدَهُ ، ونَصَرَ عَبْدَهُ ، وهَزَمَ الاحْزابَ وَحْدَهُ ، ألا كلُّ دَم أوْ مَأثَرَة أو مَال يُدّعى فهوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَينِ إلاّ سَدانَةُ البيتِ وسِقايَةُ الحجِّ ، ثمّ قال : يا معشرَ قريش ! ما تَرَوْنَ أنِّي فاعلٌ بِكُم ؟ قالوا : خَيْراً ، أخٌ كريمٌ ، وابن أخ كريم » (43) .
ويعفو رسول الله (ص) بعد أن خاطبهم بكلمته الشهيرة: «إذهَبوا فأنتُمُ الطُّلَقاء» .
وهكذا ينهار تيار المقاومة ، ويحطِّم رسول الله (ص) أعظم حصون الشرك والجاهلية بعد صراع عنيف استمرّ واحداً وعشرين عاماً تقريباً ، وبذا ثَبّتَتِ الدولة والدعوة أركانها في أرض الجزيرة وتحقق الفتح المبين .
لقد عاد رسول الله (ص) بعد أن عيّن عتّاب بن أسيد والياً عليها ، وعيّن مُعاذَ بن جبل للفقه والفتوى لِيُفَقِّهِ الناس ويعلِّمهم معالم دينهم ، ليمارس كلّ واحد منهما دوره وصلاحيّته وفق أهليّته واستعداده ، وتمثِّل هذه سياسة الصيغة الادارية والتنظيمية في السيرة النبويّة .
فقد نقل ابن الأثير: «ثمّ اعتمر رسول الله (ص) من الجعرانة وعاد إلى المدينة ، واستخلف على مكّة عتّاب بن أسيد ، وترك معه معاذ بن جبل يفقّه الناس ، وحجّ عتّاب ابن أسيد بالناس
وحجّ الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج ، وعاد رسول الله (ص) إلى المدينة في ذي القعدة أو ذي الحجّة »(44).

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com