اسم الكتاب: محمد رسول الله (ص)الجزء الثاني
غزوة تبوك والزحف على بلاد الروم
وفي هذا الوقت بالذات تواردت الانباء إلى الرّسول القائد (ص) من أنّ الرّوم أعدّوا العُدّة لِغَزوِ الاجزاء الشمالية من الجزيرة العربية ، الّتي تُعتبر جزءاً من الدولة الاسلامية . فقرّر الرّسول (ص) أن يصدّهم بنفسه . وهكذا أصدر أوامره لاستنفار المسلمين في المدينة المنوّرة وخارجها ، فلم يدع قوماً من الناس إلاّ أجابوه لذلك ، إلاّ أنّ المنافقين الاوائل ، أو ممّن أظهروا الاسلام خوفاً من سطوة المسلمين ، بعد فتح مكّة ، راحوا يَخْلُقون الاعذار ، حتّى لا يخرجوا لقتال الرّوم . وكان أهم عذر عندهم في ذلك ، شدّة الحر ، وبُعْد المسافة بين المدينة وبلاد الرّوم ، وقد حكَى القرآن الحكيم ، ما كانوا يتذرّعون به من وسيلة ، مُندِّداً ومُهاجماً : (وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ).( التّوبة / 81 ) ولم يقف المنافقون عند هذا الحد ، بل راحوا يدعون الناس إلى التخلّف عن الجيش الاسلامي، وأعدّوا داراً لتجمّعاتهم، فبلغ الرّسولَ (ص) ذلك ، فأحرق عليهم الدار أثناء اجتماعهم ، ففرّوا هاربين ، حيث لقّنهم بذلك درساً لقاء خيانتهم للاسلام . سار جيش الاسلام بقيادة رسول الله (ص) ، وكان تعداده ثلاثين ألفاً ، وقد سُمِّيَ ذلك الجيش (جيش العسرة) لشدّة الحر ، وبُعْد المسافة ، وقلّة المؤونة ، ولكنّه الجهاد وضرورة الامتحان لارادة الرِّجال ، ومُستوَى الايمان ومَداهُ في النفوس . وقد استخلف الرّسول (ص) عليّاً (ع) لادارة المدينة المنوّرة ولرعاية أهله (ص) ، على أنّ عليّاً أراد صحبة الرّسولِ (ص) في غَزْوَتِهِ إلاّ أنّ رسول الله (ص) أمره بالبقاء في المدينة المنوّرة ، وخاطبه بقوله : «أما تَرضى أن تكونَ مِنِّي بمنزلة هارون من موسى ؟ إلاّ أنّه لا نبيَّ بَعدي» (50). سار جيش رسول الله (ص) حتّى بلغَ تبوكَ ، على الحدود الفاصلة بين بلاد العرب ، وحدود الدولة الرومانية ، حيث خاف الروم من جيش المسلمين فهربت قوّاتهم إلى داخل حدودهم قبل وصول الجيش بأيّام . فقرّر الرّسول (ص) عدم التوغّل في داخل البلاد الرّومانية، فعاد بجيشه إلى مدينته المباركة ، فنزلت سورة التوبة ، وهي تفضح المنافقين والمتواطئين معهم ، وتكشف خططهم ، وتَنْعى على الّذين قعدوا عن الجهاد قُعُودَهُم وكَسَلَهُم وتَثاقُلَهُم . وقد بادر الرّسول (ص) إلى إحراق مسجد الضرار الّذي بناه المنافقون ، واتّخذوا منه قاعدة للنِّفاق ، والتكتّل المضاد للاسلام ودولته ، وبذلك مزّق تجمّعهم .
|
|