اسم الكتاب: محمد رسول الله (ص)الجزء الثاني
آفاق جديدة
بادرت الرِّسالة الاسلامية إلى الافصاح عن هويتها الانسانية العالمية منذ أيّامها الاُولى في مكّة المكرّمة . فهي رسالة تهيِّئ للانسان جميع فرص النموّ والازدهار ، وتوازن بين جوانبه كافّة ، فلا تُمكِّنْ لجانب بالتنكّرِ لجانب آخر ، ومِنَ الطبيعي أنّ ذلك الامر لن يكون إلاّ إذا اعترفت الرسالة بالانسان كما هو ، طاقاته كلّها ، وكلّ حاجاته ، وكلّ كيانه . ولعلّ أبلغ نص قرآني دلالة على الصفة الانسانية للرسالة الاسلامية قوله تعالى : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَة اللهِ ا لَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ ا لْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) . ( الرُّوم / 30 ) فالاسلام دين الفطرة الانسانية ، وهو يتجاوبُ معها ، فلا يُحرِّفُها ولا يُنْكِرُها ، وإنّما يعترفُ بها ، ويُقِرُّ متطلّباتها جمعاء . وكما أفصح الاسلام عن هويّته الانسانية ، منذ كان دعوة في مكّة كما يتجلّى ذلك في السور المكّية الّتي تتناول حقيقة الكائن الانساني وتركيبه الرّوحي ، المادّي . نقول إلى جانب الاعلان عن الهوية الانسانية من قبل الرسالة الاسلامية ، أعلنت كذلك عن هويتها العالمية منذ أيّامها الاُولى ، فالآيات الّتي كشفت عن هذه السمة بكلِّ قوّة ووضوح كانت مكّية : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ). (الانبياء / 107) (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ). (سبأ / 28) وخطاب يا أيُّها الناس ! إنّما تكرِّر في السور المكّية مراراً . وكما أعلنت النصوص الاسلامية الاصيلة ، عن الصفة العالمية للاسلام ، فإنّ الواقع التطبيقي منذ بداية الدعوة كان يجسّد تلك الاُطروحة . فطليعة المسلمين كان تركيبها يشير بوضوح وقوّة إلى تخطِّي الاسلام لكلِّ الفروق الجغرافية والقومية والقبلية والحواجز الطبقية وسواها . ففي المسلمين الاوائل كان الغني والفقير، وكان الابيض والاسود والعربي والاعجمي، وسوى ذلك ، فهـناك حمزة بن عبدالمطّلب وعمار وبلال الحبشي وصهيب الرومي ومصعب بن عمير وغيرهم . أمّا بعد الهجرة المباركة ، فقد عبّر الاسلام عن طبيعته العالمية بوسائل جديدة ، منذ أوّل فرصة سنحت ، فبعد تجميد الصراع بين المسلمين والمشركين من قريش على أثر توقيع صلح الحديبية ، بدأ الاتصال بالعرب من غير قريش ، والاتصـال بقادة الدول المعاصرة لدولة القرآن العزيز؛ الدول الصغيرة منها والكبيرة كلّ ذلك إلقاءً للحجّةِ على النّاس وإبلاغاً لهم بشريعة الله تبارك وتعالى . وإذا كان الرّسول (ص) قد بعث بدعاة مبلِّغين بالرسالة إلى أحياء العرب وقبائلهم يدعونهم إلى الاسلام ، فإنّه (ص) رأى أنْ يبعث للملوك والقادة في العالم المعاصر له بكتب يدعوهم فيها إلى الله وشريعته . وكان في ذلك الوقت ثلاث دول كُبرى موجودة إلى جانب الدولة الاسلامية هي : دولة الفرس في الشرق (في إيران) ، ودولة الروم في الغرب (في الشام) ، ودولة الاحباش في الحبشة .
|
|