سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  محمد رسول الله (ص)الجزء الثاني


بيعة الغدير المباركة

ولمّا أتمّ رسول الله (ص) حجّه قَفَلَ راجعاً إلى المدينة، ومعه ذلك الحشد العظيم من المسلمين ، وعند غديرِ خُمٍّ ينزلُ عليه وحيُ الله تعالى يدعوه لاستخلافِ عليّ بن أبي طالب أميراً للمؤمنين بعده .
ولحكمة إلهيّة يتمّ اختيار ذلك المكان بالذات لتبليغ الناس ببيان السّماء الخاص باختيار عليّ (ع) إماماً للمسلمين بعد رسول الله (ص) .
فقد كان وقت زوال الشمس يقترب ، وكان يوماً قائضاً شديد الحرارة ، حتّى أنّ المسلمين حين استوقفهم الرّسول (ص) لتلاوة بيان السّماء ، كان الرّجلُ منهم يَلفُّ رداءه على قدميه ليتّقي بها حرارة الرّمضاء ؛ ومع هذا وذاك استوقفهم الرّسول (ص) لِيُبَلِّغهم بما ألزمه الله تعالى تبليغهم به بالنظر لاهميّة الامر ، وضرورته ممّا لا يسمح بالتأجيل .
استوقف الرّسول (ص) المسلمين على مُفترق للطُّرُقِ ، سيتفرّقون عنده ، وربّما لن يسمعَ الكثيرُ صوتَ رسول الله (ص) بعد ذلك اليوم .
ولحكمة بالغة رُبّما كانت آخر ساعة من حياة الرسـول (ص) مع الكـثير من المؤمنين مِن أصحابه لانْ يُرشِدُهُم إلى أنّ عليّاً هو مرجعهم الفكري والاجتماعي بعده دون سواه ، لأنّها تكاد تكون ساعة وداع ، ومثل تلك الساعة غالباً ما تكون ذات عاطفة ونكهة خاصّة ، بحيث
لا تُنْسى وقائعُها عندَ البشر ، فربّما يَنسَى الناسُ هذا الأمر ، لو أنّ الرّسول (ص) قد بلّغهم به
قبل سنوات ، أو يفقدَ حرارتَهُ ، ولكنّه (ص) وبأمر من الله تعالى جعله آخر ما عهد للناس به ، إذ ربطه بعبارات الوداع لكي يَثْبُتَ في وُجدانِ الاُمّةِ ، ويكون حيّاً في ذاكرتها .
فوقف رسول الله (ص) على رِحال جُمِعَتْ له حتّى يراهُ جميعُ الناس ، ويسمَعوه ، فحمدَ الله وأثنى عليه ثمّ قال :
« أيُّها الناسُ ! يوشَكُ أنْ اُدْعى فاُجيبَ ، وإنِّي مسؤولٌ وإنّكُم مَسْؤولونَ ، فماذا أنتُم قائِلُون ؟
قالوا : نَشهدُ أنّكَ قَدْ بَلّغْتَ وجاهَدْتَ ، ونَصَحْتَ فجزاكَ اللهُ خيراً . فقال ألَيْسَ تَشْهدونَ أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً عبدُهُ ورَسولُهُ ، وأنّ جنّتَهُ حَقٌّ وأنَّ نارهُ حَقٌّ ، وأنَّ الموتَ حَقٌّ ، وأنَّ البَعْثَ حَقٌّ بَعدَ الموتِ ، وأنَّ السّاعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها ، وأنّ الله يَبعثُ مَنْ في القُبُور ؟
قالوا : نشهد بذلك .
قال : اللّهمَّ اشهد .
ثمّ قال : أيُّها الناسُ إنّ اللهَ مولايَ ، وأنا مَوْلَى المُؤمنينَ وأنا أوْلَى بِهم مِنْ أنفُسِهِم ، فَمَنْ كُنْتُ مَولاهُ فَهذا عليٌّ مَولاهُ ، أللّهمَّ والِ مَنْ والاهُ ، وعادِ مَنْ عاداهُ .
أيُّها الناس ! إنِّي فَرَطُكُمْ وأنّكُم وارِدونَ عَلَيَّ الحوضَ ، حوضٌ أعرضُ ممّا بينَ بُصْرى إلى صَنعاء ، فيه عددُ النجومِ قَدَحانِ مِنْ فِضّة ، وإنِّي سائِلُكُم حِينَ تَرِدونَ عَلَيَّ ، عَنِ الثّقلينِ كيفَ تَخلِفوني فيهما ، الثّقلِ الاكبرِ : كتابِ الله عزّ وجلّ ، سببٌ طرفُهُ بيدِ اللهِ تعالى ، وطرفُهُ بأيديكم ، فاستمسِكوا بهِ لا تَضلّوا ، ولا تُبدّلوا ، وعترتي أهلِ بيتي فإنّهُ نبّأنِيَ اللّطيفُ الخبيرُ أنّهما لن يَنقضِيا حتّى يردا عليَّ الحوضَ »(68).
ثمّ نزلَ (ص) وصَلّى ركعتين ، فأذّنَ مؤذِّنهُ للظُّهرِ ، فصلّى بأصحابه ، ثمّ جلس في خيمته، وأمر علياً يجلس في خيمة له.
فأمر المسلمين ببيعته بالخلافة.
وهكذا مارس الرسول (ص) ما من شأنه أن يحفظ مستقبل الرسالة والدعوة والاسلامية.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com