سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  إسماعيل وإسحاق


النبوّة لُطف

(لَقَد أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأَنزَلْنا مَعهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ وأَنزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ).( الحديد / 25 )
(ورُسُلاً قَد قَصَصْناهُم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلاً لَم نَقْصُصْهُم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكلِيماً * رُسُلاً مُبَشِّرينَ ومُنْذِرينَ لِئلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ وكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) .( النِّساء / 164 ـ 165 )
(وأَنْزَلْنا إِليكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَينَ يَدَيهِ مِنَ الكِتابِ ومهَيْمِناً عَلَيهِ فَاحْكُمْ بَينَهُم بِما أَنزَلَ اللهُ ولا تَتَّبِع أَهْواءهُم عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُم شِرْعَةً ومِنْهاجاً وَلَو شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُم أُمَّةً وَاحِدَةً ولكِن لِيَبلُوَكُم فيما آتاكُمْ فَاسْـتَبْقُوا الخَيراتِ إِلى اللهِ مَرْجِعُكُم جَمِيعاً فَيُنَبِّئكُمْ بِما كُنْتُم فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ). ( المائدة / 48 )
( ... قَد جَاءكُم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُم كَثِيراً مِمَّا كُنتُم تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفَو عَن كَثِير ، قَد جَاءكُم مِنَ اللهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ * يَهدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلى النُّور بِإِذنِهِ ويَهْدِيهِمْ إِلى صِراط مُستَقِيم ). ( المائدة / 15 ـ 16 )
(شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً والَّذي أَوحَيْنا إِليكَ وما وَصَّيْنا بِهِ إِبراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ، كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُم إِلَيهِ ، اللهُ يَجْتَبِي إِلَيهِ مَنْ يَشاء ويَهْدِي إِلَيهِ مَن يُنِيْبُ ). ( الشورى / 13 )
(قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ إِلى إِبراهِيمَ وإِسماعِيلَ وإِسحاقَ ويَعْقُوبَ والاَسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِم ، لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَد مِنهُم ونَحْنُ لَهُ مُسلِمُونَ ). ( البقرة / 136 )
(الم * كِتابٌ أَنزَلْناهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلى النُّور بِإِذْنِ رَبِّهِم إِلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ) . ( إبراهيم / 1 )
(يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِِ ولِلرَّسولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَينَ المَرء وقَلْبِهِ وأَنَّهُ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ ) .( الانفال / 24 )
هبطت كلمة الله سبحانه على الإنسان لتكون هداية ورحمة .. هبطت فأفاضت عليه إحساساً بالعناية والرعاية ، وملأت دنياه بالنور والضِّـياء .. هبطت فكانت له دليلاً يقوده إلى شاطئ السلام ، وأملا ينتشله من اليأس والضّياع ، ومنهجاً يملأ حياته بالخير والبركات .. فمنذ أن خلق الله الإنسان على هذه الارض ، ومنذ أن حدّثه ووعده ـ وعد آدم (عليه السلام) ـ بقوله :
(قُلْنا اهْبِطُوا مِنهَا جَمِيعاً فَإِمّا يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدىً فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) . ( البقرة / 38 )
استمرّ الوحي وتتابعت الرسالات ، نبي يتلوه نبي ، ورسول يتلوه رسول :
(إِنَّا أرْسَلناكَ بِالحَق بَشِيراً ونَذِيراً وإِنْ مِن أُمَّة إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ) .( فاطر / 24 )
ليبلِّغوا الإنسان رسالات الله ، وليجلِّلوه باللّطف الإلهي ، فليس الإنسان بقادر على أن يحيا بعيداً عن الهداية وعن منهج الله ، وعن قيم الدِّين ، ليس الإنسان بقادر أن يصنع الحياة ويجسِّد الإنسانية بغير هداية الأنبياء ومنهج الرُّسل .
لقد وضّح القرآن سرّ البعثة والنبوّة وهدف الرُّسل والأنبياء، وخاطب الإنسان ليوضِّح له الطريق ويرسم له المسار، لينقذه من الفساد والانحراف الفكري والعقائدي ، من الجهل والخرافة ، ليوضِّح له عقيدة التوحيد ، الأيمان بالله ، وليعرِّفه بنفسه وربِّه وعالمه وحقيقة وجوده ومآله إلى عالم الآخرة ليوضِّح له نظام الحياة ، ومنهج تنظيمها .
حدّد القرآن سرّ البعثة وأهداف النبوّة بقوله :
(لِيَقُومَ النّاسُ بالقِسْطِ ).
(مُبَشِّرينَ ومُنْذِرين ).
(لِئَلاّ يكونَ للنّاسِ على اللهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرُّسُل ).
(فاحْكُم بَيْنَهُم بِما أنْزَلَ اللهُ ).
(فاسْتَبْقوا الخَيْرات ).
(نُورٌ وَكِتابٌ مُبين ).
(يَهْدي بهِ الله من اتّبَعَ رِضْوانهُ سُبُل السّلام ).
(يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النّور ).
(اسْتَجيبوا لله وَلِلرّسولِ إذا دَعاكُم لِما يُحْييكُم ).
ذلك منهج النبوّة وتلك أهداف الدعوة الإلهية ، الدعوة الإسلامية ودعوات الأنبياء الّتي دعت إلى الإسلام لربّ العالمين ، فهدف الأنبياء أن يقوم الناس بالقسط: أن يتحقّق العدل وتنقشع ظلمات الجهل والظّلم والفساد عن ربوع الارض ، وأن يحكم الكتاب (قوانين العدل الالهي) والميزان (قيم الأخلاق ومبادئ التقويم)، فلكلّ شيء في هذا الوجود قدر وقيمة سواء كان مادِّيّاً أو معنويّاً، وله ميزان ومقياس يوزَن به ويُقاس ، فللعلم والعمل وتحديد قِيَم الناس وقيمتهم قِيَم وأقدار ، وبانعدام الموازين والمقاييس يفقد الناس القاعدة الّتي يزنون بها أو يقومون ويفرزون الأشياء والأشخاص والقوانين والأعمال والقابليات والأثار على أساسها، فيقعون في متاهة الفوضى والعبث وانعدام الرؤية السليمة وغياب الحق والعدل ، وصدق الامام عليّ (عليه السلام) بقوله :
«اعرفوا الحقّ تعرفوا أهله» .
فما لم تتشخّص المبادئ والقيم لا يمكن أن تتميّز الأعمال والأشخاص .
لقد تركّز هدف الرُّسل ودعوتهم بمبدأ أساس هو :
( ليَقُومَ النّاسُ بالقِسْطِ ).
والقسط هو العدل والاستقامة ، استقامة التفكير ، استقامة النفس ، بما فيها من نوازع ودوافع وميول ، استقامة السلوك الفردي والعلاقات الإنسانية في مجال التعامل الاجتماعي والقضائي والاقتصادي ومختلف شؤون الحياة الإنسانية ، ليخرج الإنسان من الظلمات إلى النور ، من ظلمات العداوة والفرقة والنِّزاع والتقاتل وسفك الدماء .. من الخوف والإرهاب ليهتدي إلى سُبل السّلام والحياة الآمنة المطمئنّة ، فالله خلق الإنسان وعلّمه ما يصلحه وينظِّم حياته ويقوِّم سلوكه :
(ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللّطِيفُ الخَبِير ). ( الملك / 14 )
لذلك أرسل الله الأنبياء ووضع القوانين والمناهج والتشريعات وموازين الحق والعدل وقيم الحياة لينقذ الإنسان من التخبّط والضّياع .. وحياة الأجيال الغابرة والتاريخ والحياة المعاصرة لبني الإنسان تشهد بمحنة الإنسان وما يلاقيه من ظلم وفساد ومعاناة .. حتّى خسر قيمة الحياة وغابت عن دنياه معانيها الحقّة ، لذا دعاه القرآن بقوله :
(... اسْتَجِيبُوا لله ولِلْرَّسولِ إذا دَعاكُم لِما يُحْيِيكُم ). ( الانفال / 24 )
فالحياة بمعناها الحق لا تكون إلاّ تحت ظلال رسالة الله .. تحت ظلال النور والاستقامة والسّلام .. ليتسابق الناس إلى صنع الخير ، ويعيشوا في ظلال الخير ، فتزدهر رياض الحياة وتنمو قيم الإنسانية .
ويضيف القرآن سبباً أسـاسيّاً آخر للبعثة والرسالة ، يرتبط بيوم الحساب والجزاء .. يرتبط بقاعدة العدل الالهي وهو : (قُبح العقاب بلا بيان) .
فالله سبحانه لم يكن ليعاقب ويحاسب بدون بيان وتبليغ وتوضيح ، فما لم يوضِّح للانسان الطريق والمسؤولية والتكليف لا يمكن أن يحاسبه ويجازيه ، ولئلاّ يحتجّ الإنسان بعد المعرفة ، فيعتذر عن تقصيره وسوء تصرّفه :
(لِئَلاّ يكونَ للنّاسِ على اللهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرُّسُل ). ( النِّساء / 165 )
(وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً ). ( الاسراء / 15 )
لذلك شمل عدله ولطفه ورحمتـه الإنسان ، وكرّمه وأعطاه حقّ الاحتجاج والدِّفاع عن نفسه فيما لم يبلغه .
إنّ القرآن حين يُعرِّف النّبـوّة والرّسـالة ويصف الحـياة الجاهلية والطّواغيت والضّلال .. ويُحلِّل أسباب المأساة والدّمار الّذي أصاب الشّـعوب والأمم الغابرة يربطها بالإعراض عن رسالة الله والتنكّر لدعوة الأنبياء .
وفي دراستنا لحياة الأنبياء وللتاريخ الإنساني المعاصر لهم أو لما بعدهم ، نشاهد صدق هذه الدّعوة ، وعُمق هذا العامل ، ونستطيع أن نتبيّن ذلك بوضوح من خلال دراسة المساحة التاريخيّة المترابطة من حيث الزمان والمكان الّتي شـغلها أبو الأنبياء إبراهيم الخليل (عليه السلام) وولداه إسماعيل وإسحاق، ونكتشف كم كان لهؤلاء الأنبياء من دور وأثر في تاريخ الإنسان الماضي والمعاصر ..
فوجود الأنبياء : أنبياء بني إسرائيل ورسول الإنسانية الخالد محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)
من ذرِّيّة إبراهيم يوضِّح كم كان لهم من أثر ودور في حضارة الإنسان وتاريخ حياته الماضية والمعاصرة .
ولئن تناولت هذه الدراسة المختصرة حياة إسماعيل (عليه السلام) فإنّما هي حلقة في دراسة تاريخ الأنبياء الّتي تشكِّل المحور والاساس في تاريخ الإنسان ، وتشكِّل المعسكر الثاني (معسكر الهدى) مقـابل (معسكر الجاهلية والضّلال) على امتداد التاريخ .
إنّ دراسة تاريخ نبي من أنبياء الله معناه دراسة تاريخ رسالة وأمر إلهي جسّده الإنسان ، وحدّد الموقف بجانبيه (الطّاعة والعصيان) ، ومعناه دراسة مقطع تاريخي من مقاطع تاريخ الإنسان ، وحقّاً إنّ في قصصهم لعبرة لاُولي الألباب .
فلنتأمّل حين ندرس حياة إسماعيل ، ونعرف كيف تكون الطاعة لله والصّبر على القضاء والكفاح من أجل الرسالة :
(واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولاً نَبيّاً * وكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وكانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِياً ) .( مريم / 54 ـ 55 )

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com