قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: إسماعيل وإسحاق
أُسرة الخليل وميلاد إسماعيل
أبو الأنبياء داعية التوحيد ، ورسول الحنيفية السمحاء ، إبراهيم (عليه السلام) وَلِهَ بحبّ الله ، فتعشّق تلك الحقيقة الكبرى ، فملكت عليه وعيه وروحه وإحساسه ، هام بها فراح يحملها رسالة وعقيدة وهدفاً يجوب الآفاق ويقطع الفيافي والقفار ، رسولاً وداعية وهادياً ، يصدع بدعوته ، ويهجر أهله ووطنه ودُنياه من أجل تلك المبادئ والقيم الّتي آمن بها وحملها، فلم تكن حياة إبراهيم (عليه السلام) ملكاً له ، ولم يكن النعيم والاستقرار وخصب الرافدين ليستهوي قلبه وعقله ، بل ظلّ ملكاً لرسالته ، أميناً وفياً لمبادئه ، كان إبراهيم كما وصفه الحقّ سبحانه : (إنّ إبراهيمَ كانَ اُمّةً قانِتاً لله حنيفاً ). ( النحل / 120 ) (إنّه كانَ صِدِّيقاً نَبيّاً ). ( مريم / 41 ) (واتّخَذَ اللهُ إبْراهيمَ خَلِيلاً ). ( النِّساء / 125 ) (إنّ إبراهيمَ لَحَليمٌ أَوّاهٌ مُنِيب ). ( هود / 75 ) (وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهيمَ رُشْدَه ). ( الأنبياء / 51 ) (سَلاَمٌ على إبْراهيم ). ( الصّافّات / 109 ) (واذْكر عبادنا إبْراهيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولي الايْدِي ).( ص / 45 ) (وإبْراهيمَ الّذي وَفّى ). ( النّجم / 37 ) (لَقَدْ كانَ لَكُمْ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهيمَ والَّذِينَ مَعَه ). ( الممتحنة / 4 ) هذا أبو الأنبياء إبراهيم بن تارخ شاء الله أن يولد وينمو ويترعرع في أرض الرافدين (أرض العراق) ، في ظل الوثنية والظلم وجبروت نمرود بن كوش (3)، ملك بابل وطاغيتها المستبد : «في قرية كوثي في اُور الكلدانيـين قرب الشاطئ الغربي للفرات ، وقيل أيضاً أنّه وُلِدَ ببابل» (4). بدأ الخلـيل دعوته ، ينادي بعقيدة التوحـيد ويتحدّى جبروت امبراطورية نمرود وكبرياءه الّذي دعاه الظّلمة إلى أن يأمر شعبه بعبادته وتأليهه، فواجه الخليل الموقف الصعب ، ليرسم الطريق لطلائع الهُدى وقادة الأيمان ، واجه الظّلم والكفر والطّغيان بالقوّة والصلابة، فضرب رأس الطاغوت وأثار في النفوس روح العزم والقوّة، لاستئصال الوهن والضعف وإذكاء جذوة الأيمان وروح التصدِّي للطغيان والفساد . وكعادة المسيرة البشريّة فإنّ الطلائع الحدِّية ، والشـخصيات القويّة المتماسكة قليل أمثالها في التاريخ ، فكثيرون هم اُولئك الّذين يحسّون بالظّلم ويميِّزون ظلام الجاهلية ، ولكنّهم ضعاف جبناء يُحبِّذون العيش وسط أسراب القطيع .. كان الخلـيل قد تحدّى امبراطورية عاتية وسلطاناً رهيباً ، ليصنع الدرس فيرويه لنا القرآن : (إنّ إبراهيمَ كانَ اُمّةً ). (لَقَدْ كانَ لَكُمْ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهيمَ والَّذِينَ مَعَه ). فأعرض الناس تحت ضغط الخوف والارهاب والجهل وسطوة نمرود، عن دعوة إبراهيم إلاّ قليل منهم ، وما أعرض عنها إلاّ مَن سفه نفسه ، فخفّ نفر ممّن شرح الله صدورهم للايمان وآتاهم البصيرة النيِّرة والحسّ الروحي الشفّاف لاستقبال الدّعوة ، وحمل الامانة رغم إرهاب نمرود وجبروته الطاغي ، وكان ممّن فتح الله قلبه للايمان لعقيدة الهُدى ، وأيقظ حسّه لاستقبال دعوة التوحيد ونفح فيه روح العزيمة والتحدِّي الشجاع زوجته سارة . فكانت أوّل مَن آمَن به(5)، وآمَن له ابن أخيه لوط بن هاران ، فآمنا به وصدّقاه واتّبعاه وسارا معه حتّى نهاية الشوط . ولمّا احتدم الصِّراع بين الخليل ونمرود وأصرّ واستكبر وقرّر حرق إبراهيم ومكافحة دعوته والوقوف بوجهه لم يبق أمام إبراهيم إلاّ الهجر والهجرة، هجر الظّالمين والمتواطئين، والهجرة إلى الله رافعاً صوته بالقرار : (إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي ). ( العنكبوت / 26 ) هاجر الخليل أوّل ما هاجر إلى اُور (6) ثمّ استقرّ فيها زمناً ، فلم ضالّته، ولم يكن بإمكان يجد هذه البلدة أن تستوعب دعوته، وتتقبّل رسالته.. فهجرها واتّجه إلى فلسـطين ، هو والّذين آمنوا معه ، فصحبته سارة زوجته وابنة عمّه وابنة خالته ، فتعلّقت به رفيقة درب وشريكة مسير، وانضمّ إلى الرّسول المهاجر لوط النبيّ ـ ابن أخيه ـ وزوجته . اتّجه الجمع وراح يغذ السّير ويقطع الفيافي والقفار عبر صحراء العراق متّجهاً إلى أرض الشام ، أرض كنعان (فلسطين) الحبيبة ، فاستقرّ النبيّ فيها ، وحطّ رحاله هناك ليبدأ الفصل الجديد ، وليصنع أغنى فصول التاريخ في حياة الإنسان . وبدأ الفصل الجديد ، بدأ في أرض فلسطين ، كفاح وهجرة وجدب ومعاناة ، فليست الهجرة إلاّ الهجر والمعاناة والاختبار ، وليست هي إلاّ التربية والاعداد والبناء الإنساني الّذي يفك فيها الإنسان ارتباطه من الأهل والأحبّة والوطن ، ويحكم علاقته وتعلّقه بالله سبحانه ، فهي ليست التغرّب وقطع المسافات ، والغياب عن الدّار والبُعد عن الأحبّة وحسب ، ولكنّها هجرة الروح والعقل والمشاعر . فأبو الأنبياء طوى فيافي الارض ، وهجر أرض بابل ، ولم يصحبه من الاهل إلاّ سارة المؤمنة المهاجرة ، فكانت أوّل النِّساء المؤمنات افتتاحاً لدرب الهجرة ، فما كان الخليل ملوماً بحبِّه لها وتعلّقه بها ، فهي ابنة عمّه وبنت خالته ورفيقة جهاده وصاحبة هجرته . استقرّ الخليل في أرض كنعان وشاء الله أن تمنع السّماء قطرها وأن تجدب أرض كنعان ، فيتوارى من أرضها الخصب والرواء ، فيواصل الخليل الرحلة باتّجاه مصر.. واصلها ليقطع الدرب الطويل ، فهو والقدر الموعود . اُمّ إسماعيل، هاجر، على لقاء قد خُطّ في لوح القدر ، واحتجب في ضمير الغيب . وطئ الخليل أرض مصر فوجد فيها ظالماً ، كما ترك في أرض بابل الملك الظّالم نمرود ، وقد شاء الله أن يطوي الخليل تلك الأيّام في أرض النيل بعيداً عن أذى الطاغوت ، ثمّ يعود هو وسارة ومعهما جارية مصرية اسمها هاجر ، تملكها سارة ، ويعودون إلى الارض المباركة ويحـطّون رحالهم في الشـام من جديد ، ويسكن هذه المرّة في (بلدة السّبع) (7) في فلسطين ، ويسرج مشعل النور ، ويرفع صوت التوحيد ، فيبني مسـجداً للذِّكر والدعوة والعبادة هناك ، واتّخذ فيها بئراً معيناً للخصب والطّهارة والحياة ، إلاّ أنّ أهل هذه البلدة لم يعرفوا قدر إبراهيم ، ولم يشكروا نعمة وجوده فيهم ، فآذوه وضيّقوا عليه ، فتركهم ورحل ، ورحلت البركات وجفّت البئر ، وواصلَ إبراهيم مسيره حتّى وصلَ بلدة (القِط أو القَط) بين الرملة وإيليا في الشـام ، ويعيش مع سارة وهاجر في بيت واحد . وكان الشّيب قد دبّ إلى إبراهيم ، وزحفت الشيخوخة نحو زوجه سارة ، وينظران في أرجاء البيت فيرانه أقفر مجدباً من زهرات العمر وابتسامات الطفولة . ويقع في نفس سارة ما خُطّ في لوح القدر ، فتعرض جاريتها وتهبها لسيِّدها إبراهيم ، عَلَّ الله أن يهب منها ذرِّيّة النبوّة ، ويغمر أجواء البيت ببراءة الطّفولة وحنان الابوّة الرطيب ، فيتزوّجها إبراهيم، والأمل الكبير يملأ قلبه ويراود نفسه ، الذرِّيّة الصالحة ، الّتي تحمل مشعل التوحيد ، وترفع راية الإسلام لله الواحد القهّار ، فتزوّج الخليل هاجر ، وهو يضرع إلى الله سبحانه ويرفع يديه بقلب خاشع ، ونفس مشوّقة إلى الولد والذرِّيّة الصالحة الّتي تعمر الأرض بالتسبيح ، وتحييها بالتقديس والصّلاح : (رَبِّ هَبْ لي مِنَ الصّالحين ). ( الصّافّات / 100 ) ويستجيب الله دعاءه ويهب له إسماعيل ، فيُبشّر بغلام حليم ، يحمل صفة أبيه ويكتسب منه فضيلة الحلم ، فيصفه القرآن بقوله : (وبشّرناهُ بِغُلام حَلِيم ). ( الصّافّات / 101 ) كما وصف أباه من قبل : (إنّ إبراهيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيب ). ( هود / 75 ) وتحمل هاجر بالجنين ، الأمل والبشرى والوفاء ، وتمرّ الأيّام على هاجر ، فينمو جنينها ، وينمو معه الحلم والامل ، تتنامى معه مشاعر البشر والانتظار في نفس الشيخ الخليل ، ويكبر الجنين وتظهر على هاجر علامات الحبالى ، فتخشى تحسّس سيِّدتها الحدث الجديد ، وتخاف إثارة غيرتها ومشاعر الخيبة ومخاوف العقم في نفسها ، فتتّخذ لنفسها منطقاً (حزاماً) تتمنطق به لتخفي أثر الجنين وتخفي معالِم إسماعيل في رحاب مملكة الرّحمة والحنان . ومرّت الأيّام واكتملَ الجنين ، وأذن الله سبحانه للوليد البُشرى أن يطلّ على عالَم الدُّنيا ، فيملأ صحراء الشّام بنظراته وتأمّلاته النبويّة الشفّافة الّتي كانت تواصل رحلتها إلى أعماق الحقيقة ، وتستجلي آفاق الكون الفسيح وتقرأ في صفحاته نداء إبراهيم : (يا بَنيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وأَنْتُم مُسْلِمونَ ) .( البقرة / 132 ) أبصر إسماعيل ضياء الشّمس وعمر أبيه ستّ وثمانون سنة . وُلِدَ إسماعيل في بادية الشّام (8) فاُحيطَ مولده بالآمال والآلام، آمال إبراهيم وهاجر ، وآلام سارة الّتي تملّك الخوف قلبها ومشاعرها . لقد أصبحت الجارية هاجر سيِّدة البيت ووارثة النبوّة ومستودع الذرِّيّة . ولم تكن مشاعر سارة ومخاوفها لتحتمل هذا الجوّ الجديد ، فراحت تقسو على إسماعيل وهاجر ، وتتعامل معهما بخشونة وجفوة .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|