سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  إسماعيل وإسحاق


دعوة مُسْتَجابة

انصرف إبراهيم بعد أن أدّى المهمّة الموكلة إليه ، فاتّجه صوب الشام وقلبه يتلفّت إلى وديعته في جوار البيت الحرام ، وعيناه تشيِّعان هاجر وإسماعيل .. وصل جبل كداء بذي طوى ، فأراد أن يطمئن رغم الوعد والثقة بالله، ويؤدِّي حقّ الاُبوّة والرعاية لاسماعيل فالتفت نحو إسماعيل ، ورفع يديه بضراعة وابتهال :
(رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتي بِواد غَير ذِي زَرْع عندَ بَيتِك الُمحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئدَةً مِنَ النَّاسِ تَهوي إِلَيهِم وارْزُقْهُم مِنَ الثَّـمراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرونَ ) . ( إبراهيم / 37 )
وهكذا يكشف السِّرّ والعُمق ويحلّ رمز الموقف والحدث الكبير في دعائه الواضح الصريح ..
أنّ إبراهيم لم يفعل الّذي فعل خضوعاً لضغط سارة ، أو استجابة لمشاعر امرأة تتضايق من تفوّق ضرّتها ، بل كان ينفِّذ فصول قصّة ، ويصنع ملحمة تاريخ قد خُطّ بمشيئة الله سبحانه ، أتى بإسماعيل ليكون بذرة التوحيد ، وغرس النبوّة الخصبة في الوادي الجديب لتُقام الصلاة في الارض المقدّسة ، ليرفع منار الهدى من موضع البيت .
يمّم إبراهيم وجهه صوب الشام، وراح يستحث الخطى وقد استودع إسماعيل وهاجر في بيت ربّه وعيناهما تقفوان أثر الخليل ، حتّى عجزتا عن المسير معه فعادتا تجولان في أرجاء الارض المحرّمة .. استقرّت هاجر وإسماعيل في ظلِّ القدر .. نفد ما كان معهما من ماء وطعام (14)، فأحسّ إسماعيل بالعطش، وأحسّت اُمّه ذلك منه ، اتّجهت إلى ما حولها تبحث عن ماء ، فصعدت الصّفا ثمّ هبطت الوادي ، وراحت تسعى تبحث عن ماء حتّى بلغت المروة ، ثمّ غاب عنها إسماعيل فخافت عليه فاتّجهت نحوه ، حتّى بلغت الصّفا ، نظرت إلى إسماعيل فاطمأنّت عليه ، ثمّ أعادت شوطها تبحث عن الماء .. وهكذا كانت تسعى بين الصّفا والمروة بحثاً عن الماء حتّى فعلت ذلك سبع مرّات ، وفي كل مرّة عينها لا تُفارِق موضع إسماعيل ، فلمّا نظرت إليه في نهاية شوطها السّابع وهي تقف على المروة رأت الماء قد سال من حوله وانفجر ثدي الارض ينبوعاً يروي عطش الصحراء ويسيل عيناً تحكي قصّة الظّمأ والرّواء والحياة في الوادي الجديب ، كم كان فرح هاجر وسرورها حين رأت (زمزم) تفيض بالماء من تحت قدميه وهو يدور ويُناغي ينبوع الخصب والحياة وسط الجدب والجفاف العبوس .. هرعت هاجر لتجمع (15) الرّمل من حول الينبوع وتحجز الماء المنساب على صعيد الارض ، وتغترف منه فتسقي وليدها الرّضيع إسماعيل .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com