سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  إسماعيل وإسحاق


تراث إسماعيل (عليه السلام)

رمز خالد يشهد بالكفاح وينطق بالخلود ، ذلك هو (بئر زمزم) .
أفادت روايات التاريخ أنّ (زمزم) انفجرت تحت قدمي إسماعيل ، واُخرى أنّ إبراهيم (عليه السلام) حفرها لاسماعيل ، وقد جاورت جرهم هذا المنبع المقدّس ، يرتوون من مائه ويحتضنون البيت الحرام زمناً طويلاً ، حتّى ارتدّت جرهم على أدبارِها ، وبغت وطغت وداخلها الشِّرك ، فسلّط الله عليها خزاعة (31) فدارت الحـرب ضروساً بين الفريقين جرهم وخزاعة ، فلمّا أحسّ عامر بن الحارث الجرهميّ بالهزيمة خرج بغزالَي (32) الكعبة (كان الغزالان من ذهب) والحجر الاسود يلتمس التوبة وهو يقول :
لاهُمّ إنّ جرهماً عِبادُك *** النّاس طرف وهم تلادك (33)
بهم قديمـاً عمـرت بـلادك فلم تُقبَل توبته ، فدَفن غزالي الكعبة ببئر زمزم وطمّها «طمّ زمزم» وخرج بمن بقي من جرهم إلى أرض جهينة (34).
وعلى مرّ الايّام اندثر تراث إسماعيل وتوارى بئر زمزم وغار ماؤه ، وعُفّي أثره ، وشاء الله أن يجيب دعوة إبراهيم وأن يبعث من ذرِّيّة إسماعيل محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) يحمل راية التوحيد ويواصل مسيرة أبيه إبراهيم ويبلغ رسالة الخير والسّلام ، فترهص مكّة ، وتلوح في آفاقها علامات النبوّة ، وشاء الله أن يكون زمزم البئر الخالد .. البئر الّذي ارتبط بحياة أبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) إسماعيل ورافق الحجيج وهم ما يزالون يضجّون بكلمة التوحيد ويعجّون بالتلبية لله الأحد .
ويبدأ التاريخ دورة جديدة ، ويشاء الله أن ينفجر زمزم من جديد ، ولكن على يد واحد من ولد إسماعيل (عبدالمطّلب بن هاشم) ليروي الجميع ، ويصاحب داعية التوحيد الجديد : الهادي محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فيرى عبدالمطّلب في المنام رؤيا تأمره بحفر زمزم ، فيرى في منامه أنّ قائلاً يقول له : (احفر زمزم ، انّك أن حفرتها لا تندم) ، فقال : (وما زمزم ... ؟ ) قال : (تراث من أبيك الاعظم، لا تنزف أبداً ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم ... ) (35).
فغدا بمعوله وإلى جانبه الحارث - ولده الوحيد - يساعده ويعينه .. غدا إلى موضع البئر وراح يرفع التراب عن موضع قدمي إسماعيل المقدّس، ويواصل الحفر (فلمّا بدا له الطوي كبّر، فعرفت قريش أنّه أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا : «إنّها بئر أبينا إسماعيل ، وانّ لنا فيها حقّاً فأشركنا معك» ، قال : «ما أنا بفاعل ، هذا أمر خصصت به دونكم» ) . واشتدّت الخصومة بين عبدالمطّلب وقريش فقرّروا الاحتكام في أرض الشّام عند كاهنة (بني سعد بن هذيم) ، فاتّجه المتخاصمون نحوها ، إلاّ أنّهم لم يصلوا إليها ، وعادوا مقتنعين بولاية عبدالمطّلب على زمزم .
وصل عبدالمطّلب أرض أبيه إسـماعيل ، فعـاد يبحث بمعـوله عن التراث الخالد ، وليس معه سوى ولده الحارث ، وقد شاء الله أن يقع كنز جرهم بيد عبدالمطّلب ، فيكشف النّقاب عن الغزالين اللّذين دفنتهما جرهم ، وعن أسياف وأدرع ، فازداد طمع قريش ، وتعالت أصواتها : (يا عبدالمطّلب ! لنا معك في هذا شرك وحق .
قال : لا ، ولكن هلمّ إلى أمر نَصِف بيني وبينكم ، نضرب عليها بالقداح ، فقالوا : فكيف نصنع ؟ قال : أجعل للكعبة قدحين ، ولكم قدحين ، ولي قدحـين ، فمَنْ خرج قداحه على شيء أخذه ، ومَنْ تخلّف قداحه فلا شيء له. قالوا: أنصفت . ففعلوا ذلك وضربت القداح عند هُبَل فخرج قدحا الكعبة على الغزالين ، وخرج قدحا عبدالمطّلب على الأسياف والإدرع ، ولم يخرج لقريش شيء من القداح )(36).
وهكذا يبعث عبدالمطّلب تراث (أبيه إسماعيل) ويعود زمزم يروي الحجيج ، ويحكي قصّة الحياة في هذه الارض المباركة ، ويذكِّر بأمجاد الكوكبة النيِّرة الخليل وإسماعيل وهاجر .
وهو الأصوب كما يبدو من تاريخ هدم الكعبة وبنائها قبل البعثة بخمس سنوات .
يُقال أنّ عبدالمطّلب ضَرَبَ الاسياف باباً للكعبة وجعل فيه الغزالين صفائح من ذهب ، فكان أوّل ذهب حليت به الكعـبة ، وقيل بل بقيا في الكعـبة وسُرِقا ، ولعلّ هذا هو المشهور تاريخيّاً .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com