سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  إسماعيل وإسحاق


عمارة البيت

انتصب هذا البيت الخالد رمزاً للعـبادة ، وشعاراً للتوحـيد ، وقد مرّت عمارته بأطوار ومراحـل ، فهُدم وبُني مرّات كما زُيِّن بالذهـب والفضّة ، وكسي بألوان الحلي حتّى صارت كسوة البيت عادة وتقليداً سنويّاً لدى المسلمين .
كما كانت الكعبة تحظى بالتقديس والاكبار في عصور الجاهلية قبل الإسلام ، وكانت تُهدى لها الهدايا والنذور والهبات ، وكان لها خزانة في داخلها ، عبارة عن بئر توضع فيه الهدايا والنذور وأموال الكعبة ، وكان من جملة هدايا الكعبة وأموالها الّتي حدّث التاريخ عنها غزالان من ذهب سُرِقا حين جرف السّيل بنية الكعبة ، فقد ذكر أنّ أحد السرّاق (49) وهو (دويك) مولى لبني مليح بن خزاعة تجرّأ فسرق من أموال الكعبة ما استطاع أن يسرقه؛ سرق الغزالين الذهبيين اللّذين أخرجهما عبدالمطّلب من زمـزم بعد دفن جرهم لهدايا الكعبة عند هزيمتها ، فتناهى خبر السّرقة إلى قريش فعظم عليهم الأمر ، فحكموا بقطع يد السارق فقُطِعَت .. واجتمعت قريش تتدارس الأمر وتتشاور فيما بينها ، فاستقرّ الرأي على هدم بنيتها وإعادة بنائها ، وقد أوجس الناس خيفة من هدم الكعبة ، وخافوا نزول العذاب ، وابتعدوا عنها حتّى بدئ بهدمها لما في الكعبة من حرمة في النفوس ومقام متوارث في القلوب .
ذكر المؤرِّخون أنّ سبب هدم الكعبة وتجديد بنائها هو تعرّض بنيتها للسيول
وانجرافها .. وقيل أيضاً أنّها كانت رضيمة (50) فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها ، وكان الوليد بن المغيرة أوّل مَنْ بدأ عملية الهدم ، وكان الناس ينتظرون ماذا سيحلّ بالوليد ، وكانوا يقولون :
(ننظر فإن اُصيب لم نهدم منها شيئاً ، فأصبح الوليد سالماً وغدا إلى عمله فهدم والناس معه) (51) .
جمعت قريش الحجارة وشرعوا بالبناء حتّى بلغ البناء موضع الركن، فاختلفت القبائل ، وأرادت كلّ قبيلة أن تتشرّف بحمل الحجر الأسود ووضعه في مكانه حتّى تحالفوا وتواعدوا للقتال ، (فمكثوا على ذلك أربع ليال ثمّ تشاوروا ، فقال أبو اُميّة بن المغيرة ، وكان أسنّ قريش : اجعلوا بينكم حَكَماً أوّل مَنْ يدخل باب المسجد يقضي بينكم ، فكان أوّل مَن دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلمّا رأوه قالوا : هذا الأمين قد رضينا به ، وأخبروه الخبر ، فقال : هلمّوا إليَّ ثوباً ، فاُتيَ به ، فأخذ الحجر الأسود فوضعه فيه ثمّ قال: لتأخذ كلّ قبيلة ناحية من الثوب ثمّ ارفعوه جميعاً . ففعلوا فلمّا بلغوا به موضعه وضعه بيده ثمّ بنى عليها) (52) .
وهكذا اُعيدَ البناء واُخمدت الفتنة ووُضِعَ الحجر الاسود موضعه على يد رسول الهداية والاصلاح محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، واستقام بناء الكعبة واستطال ظلّها .
وكما قدست الكعبة وعظم شأنها في نفوس الاجيال عبر التاريخ عُرِّضت كذلك إلى العدوان والاعتداء من قِبَل أبرهة الحبشي الّذي أعدّ جيشه وجمع جنده ، وتوجّه إلى الكعبة يريد هدمها ، فهدم الله طغيانه وأبطل كيده ، وأرسل عليه طيراً أبابيل ، فأباد جنده وفشلت حملته الآثمة على البيت الحرام ، وحفظ الله بيته من كيد الطّغاة ، كان ذلك في عصر الجاهلية أيّام عبدالمطّلب بن هاشم ، أمّا في عصر الإسلام فقد وقع على البيت الحرام اعتداء وتخريب أيضاً ، فهُدِم واُحرِق من قِبَل جيش أهل الشّام الّذي أرسله يزيد بن معاوية لمقاتلة عبدالله بن الزُّبير .
جاء في الكامل في التاريخ لابن الاثير :
( ... ثمّ أقاموا عليه يقاتلونه «عبدالله بن الزُّبير» بقيّة المحرّم وصفر كلّه حتّى إذا مضت ثلاثة أيّام من شهر ربيع الاوّل سنة أربع وستِّين ، رموا البيت بالمجانيق وحرقوه بالنار وأخذوا يرتجزون ويقولون :
خطّارة مثل الفنيق المزيد *** نرمي بها أعواد هذا المسجد (53)
وذكر ابن الاثير أنّ هذا كان في الحصار الاوّل (54)، أمّا في الحصار الثاني الّذي حوصِرَ فيه ابن الزُّبير أيّام عبدالملك بن روان فقد أمر الحجّاج بن يوسف الثقفي قائد الجيش الاموي برمي الكعبة بالمجانيق وهدمها على ابن الزُّبير الّذي لجأ إليها، وقد فعل هذه الجريمة ، ثمّ اُعيد بناء الكعبة وانتصبت مرّة اُخرى تتحدّى الكيد والتخريب وتشع بأنوار الهدى والرشاد .
ومكّة أحبّ أرض الله إلى الله، والبلد الأمين والأرض الحرام ارتبط تاريخها بإسماعيل وإبراهيم ، وبدأ وجودها يظهر في التاريخ كألمع نجم في سماء الدُّنيا .
لم يكن لمكّة وجود قبل قدوم إبراهيم وهاجر وإسماعيل إليها ، فقد ولدت هذه المدينة الخالدة تحت قدمي إسماعيل وعلى ضفاف زمزم وحول ظلال الكعبة .
يذكر المؤرِّخون أنّ (جرهم) و (قطوراء) بني عمّ جرهم هم أوّل مَنْ سكن مكّة المكرّمة إلى جوار إسماعيل وزمزم ، وأنّ إسماعيل بُعِثَ فيهم نبيّاً وهادياً وداعياً إلى الله سبحانه ، وقد عظّم القرآن مكّة وسـمّاها (اُمّ القرى) و (البلد الامين) .
ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان في تسميتها عدّة آراء نذكر منها :
(... قال الشرقي بن الفطامي: إنّما سُمِّيت مكّة لأنّ العرب في الجاهلية كانت تقول لا يتمّ حجّنا حتّى نأتي مكان الكعبة فنمكّ (55) فيه أي : نصفر صفير المكّاء حول الكعبة ، وكانوا يصفرون ويصفقون بأيديهم إذا طافوا بها . والمكّاء بتشـديد الكاف : طائر يأوي الرِّياض ، قال إعرابي ورد الحضر فرأى مكاء يصيح فحنّ إلى بلاده فقال :
ألا أيُّها المكّاء ما لكَ ها هنا *** ألاء ولا شبح فأينَ تبيض
فاصعد إلى أرض المكاكي واجتَنِب *** قرى الشّام لا تصبح وأنت مريض
... ويُقال أيضاً سُمِّيت مكّة لانّها عبدت الناس فيها فيأتونها من جميع الاطراف من قولهم إمْتَك الفصيل أخلاف الناقة إذا جذب جميع ما فيها جذباً شديداً فلم يعد فيها شيئاً ، وهذا قول أهل اللّغة، وسـمّاها الله تعالى اُمّ القرى ، والبلد الامين ، وقال تعالى :
(ولْيَطَّوّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ ) . ( الحج / 29 )
(جَعَلَ الله الكَعْبَةَ الْبَيتَ الْحَرامَ قِيَاماً لِلْنَّاس ... ) . ( المائدة / 97 )
ولمّا خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكّة وقف على المروة ، فقال :
« إنِّي لأعلم أنّكِ أحبّ البلاد إليَّ ، وأنّكِ أحبّ أرض الله إلى الله ، ولولا أنّ المشركين أخرجوني منكِ ما خرجت ... » .
ووقف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عام الفتح على جمرة العقبة وقال :
« والله انّكِ لخير أرض الله ، وانّكِ لأحبّ أرض الله إليَّ ، ولو لم اُخرَج لما خرجت ، انّها لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولا تحلّ لأحد كان بعدي ، وما اُحِلّت لي إلاّ ساعة من نهار ثمّ هي حرام لا يُعضد شجرها ولا يُحتش خلالها ، ولا تلتقط ضالّتها إلاّ لمنشد » .
فقال رجل : يا رسول الله ! إلاّ الأذخر فانّه لبيوتنا وقبورنا ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إلاّ الاذخر») (56).
وهكذا عادت مكّة إلى رحاب التوحيد، وشمخت بكعبتها ومناسكها تستهوي النفوس وتوحِّد القلوب ، تحكي للأجيال قصّة الكفاح الّذي خاضه إبراهيم وهاجر وإسماعيل لتكون مثابة للناس وأمناً .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com