سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  إسماعيل وإسحاق


القرآن يتحدّث

لنقف بين يدي القرآن ولنستمع له وهو يتحدّث عن إسماعيل ، ويصفه ويبرز معالِم شخصيّته الكبيرة الفذّة من خلال وحيه وتصويره لهذا الكيان الإنساني الشامخ ، فالملاحظ في أدب القرآن أنّه عندما يتحدّث عن شخصيّة أو جماعة ويبرزها قدوة للبشريّة ، إنّما يبني هذا العرض على أساسين اثنين هما :
أوّلاً : أنّ هذه الشخصيّة تمتاز بالكمال وقوّة الأيمان ، وتحتل موقع المثل الأعلى في الحياة .
ثانياً : أنّ فيضها وإشعاعها ينير مساحة معيّنة من ظلمات النفس الإنسانية ، وعطاءها يسدّ جانباً من جوانب الفقر والنقص فيها .
فكثيراً ما كان النبيّـون يُعالجون بشكل أساسي وبارز حضارياً معيّناً من مرضـاً حضاريا معينا من أمراض المجتمع والمرحلة الّتي يُبعَثون فيها، كالانحراف العقائدي أو السلوك الشخصي أو في التعامل الاجتماعي ، فتطغى الخرافة والوثنية مثلاً ، أو الانحراف الجنسي والأخلاقي، أو الجشع وحبّ المال ، أو الارهاب وسفك الدِّماء ، فتأتي رسالات الأنبياء بالإضافة إلى بنيتها الرساليّة العامّة مهتمّة بمعالجة تلك الظاهرة المعيّنة ، ومنصبّة جهودها على استئصال ذلك المرض .
والقرآن عندما تحدّث عن إسماعيل (عليه السلام) عرضه مثلاً أخلاقيّاً عالياً ، ونموذجاً انسانياً فذّاً ، وربّانياً فانياً في ذات الله .
ولنلاحظ المواقع الأكثر إضاءة لحياة البشريّة ، والعناصر الأغنى عطاء فيها ، والقوى الأوضح صفاء لها في نفس وسلوك وشخصيّة إسماعيل (عليه السلام) .. لا شكّ أنّ إسماعيل كان نبيّاً رسولاً وكان معصوماً كامل الشخصيّة ، شأنه شأن كل الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام)، (اُولئك الّذينَ هَدى الله فَبِهُداهُم اقْتَدِه ).
فلماذا ركّز القرآن على صفات وفقرات خاصّة في كتاب هذه الشخصية الكبيرة؟ لا شكّ في أنّ الدّاعي إلى عرض هذه الجوانب هو افتقار الإنسانية إلى تلك الصِّفات وأهميّتها في حياة الفرد والمجتمع وعجز الشخصية العادية عن الاستقامة على مواصلة الالتزام بمثل هذه الصِّفات ، لذلك راح يعرضها ويملأها إضاءة وحيويّة ، ويضعها ضمن المواقف والصّور الحيّة ذات الطبيعة الحركية في الحدوث والعرض والتأثير.. ولكي نتأمّل فيها طويلاً ونستشف أبعادها واضحة ، فلنقف أمام مقطـوعة من ألواح الوحي ولنتأمّل فيها وهو يرسمها بالحرف المضيء، ويبرزها بالمعنى الغني المتدفِّق:
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً ) .( مريم / 54 ـ 55 )
(وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِنَ الصَّالِحِينَ ). ( الأنبياء / 85 ـ 86 )
(وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَا لْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الاَْخْيَارِ ) .( ص / 48 )
(وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَات مَن نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُـلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الُمحْسِـنِينَ * وَزَكَرِيّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ * وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَو أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كانُوا يَعْمَلُونَ * أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَا لْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعالَمِينَ ) . (الانعام / 83 ـ 90)
لنتأمّل في هذه المقطوعة القرآنية ولنلاحظ اهتمام القرآن بإبراز العناصر الآتية من شخصيّة إسماعيل (عليه السلام) :(... صادق الوعد )،
(... مرضياً ... يأمر أهله بالصّلاة والزّكاة )،
(... مِنَ الصّابرين )،
(... مِنَ الصّالحين )،
(... مِنَ الأخيار )،
(... فضّلنا على العالمين )،
(... واجْتَبيناهُم )،
(... وهَديناهم إلى صراط مستقيم )،
(... آتيناهم الكتاب )،
(... والحُكْم )،
(... والنبوّة )،
(... اُولئك الّذين هدى الله )،
(... فَبِهُداهم اقْتَدِه ).
وهكذا يبرز القرآن من خلال الحديث عن شخصيّة إسماعيل جانب القيم والأخلاق والعلم والهداية والخير والحكم ، فيعرضه قدوة ومناراً للخير والهداية .
ويعرضه بحديث منفصل تارة ، وضمن مساق الحديث عن الأنبياء الآخرين تارة اُخرى ليؤكِّد وحدة العقيدة والقيم والأهداف، عند جميع الأنبياء والمرسلين .
ثمّ لنقف طويلاً عند قوله تعالى ، وهو يلفت أنظارنا بعبارة ملؤها التنبيه والاهتمام والعناية :
(واذكر في الكتابِ إسماعيل ).
ويكرِّر قوله في مورد آخر :
(واذكر في الكتابِ إسماعيل ).
ليؤكِّد الوصيّة ويثير الانتباه لئلاّ ينساه أحد ، فتضيع قيم إسماعيل والتجربة الربّانية القيِّمة الّتي صنعها هذا النبيّ العظيم (عليه السلام) .
إنّ مقياس القرآن للحياة ، ولقيمة الإنسانية فيها ، متركِّز في والمعاني الإنسانية القيم الّتي يحملها ويفيضها الإنسان ويجسِّدها حياة وسلوكاً وعملاً .
وكم هي الإنسانية بحاجة إلى عطاء القيم والأخلاق النبويّة المتجسِّدة في شخص إسماعيل وفي هديه ونبوّته وإنسانيّته العُليا .. فأزمة الإنسان على مرّ العصور ، هي أزمة قيم وأخلاق وروح .. فالإنسانية لا تشكو من نقص في عناصر الطّبيعة والثروة .. ولا تعاني من نقص قدرة عقلية ومادِّية في اكتشاف قوانين المادّة والحياة ، وتسخيرها لصالح الإنسان ، فقد قطع الإنسان على مرّ العصور مراحل عُليا في التطوّر والتقدّم المادِّي والمدني ، ولكنّه كلّما تقدّم في هذا الجانب كلّما تخلّف في الجانب الإنساني (الحضاري) بعد أن ضيّع القيم والأخلاق والمبادئ الربّانية الّتي تمنح الحياة روح السعادة .
فأزمته في حقيقتها وجوهرها هي أزمة قيم وأخلاق وروحانية ، ومرتكز هذه المحنة في كثير من الاحيان هو الانانية وعبادة الشهوات واحتباس الوعي والتفكير الإنساني في إطار العالم
المادِّي ، ولذلك حرص القرآن على عرض إسـماعيل (الذبيح) كمثل أعلى يسمو على الحياة المادِّية ويرضى بالانسحاب من الحياة والاستسلام لشفتي السكِّين الّتي تحمل سُبُحات الحبّ الالهي ، فهو يضرب أعلى مراتب التعالي والرّفض للحياة؛ وبأغلى الأثمان وأصعب الطّرق والمسالك ، فقد اختار مسلك السّير إلى الله على شفرة السكِّين فحقّ للقرآن أن ينادي :
(واذكر في الكتابِ إسماعيل ) .
ليُحطِّم الاسوار والسجن الكبير (سجن الانانية والتسلّط الشهواني) لينطلق الإنسان ويسمو ، فتتكامل انسـانيّته ، فيعود ذلك الإنسان الصّادق الوفيّ الصّابر الصّالح الخيِّر المهـتدي ، الّذي يقتدي بالنبـيِّين ، ويتمثّل شخصيّة إسماعيل في وفائها وصدقها وحبّها للخير وفنائها في ذات الله وانتصارها على الذات .
ذلك هو إسماعيل ، وتلك هي قبسات من حياته الخالدة ، فلنتّخذه مثلاً أعلى ومناراً للهداية ، وقدوة في السلوك والعمل .
وتحدّث القرآن عن إسماعيل في مواقع اُخرى فوصفه بقوله :
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَنَاسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُـولاً مِنهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ). ( البقرة / 127 ـ 129 )
وهكذا يرفع إسماعيل يديه بالدُّعاء إلى جنب أبيه الخليل ويتضرّع بخشوع لله الأحد أن يتقبّل الله العمل الصالح وأن يريهما مناسكهما وأن يفتح الله لهما طريق الهداية والإسلام ، وأن يجعل من ذرِّيّتهما اُمّة مسلمة لله تُوحِّده وتعمل برسالته ، وتحمل دعوة الهُدى والخير للبشريّة كافّة ويشتدّ شـوقهما لامتداد نور النبوّة ، وخلود رسالة الهُدى والرّشاد واستمرار شريعة الله ، كي ينعم الإنسان بالخير والسّلام ، ويعيش في ظلال العدل والأمن والاستقرار ، ويحيا حياة الطُّهر والكرامة ، فيدعوان للأجيال القادمة ولامتداد البشريّة ، بقلب النبوّة الكبير الّذي يفيض على الإنسان حبّاً وحناناً وعناية ، يدعوان أن يبعث الله فيهم رسولاً ليطهِّرهم ويعلِّمهم الحكمة والهداية وطريق الحياة السعيدة:
(رَبّنا وابْعَثْ فِيهِم رَسُولاً مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمهم الكتابَ والحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِم إنّكَ أنتَ العَزيزُ الحَكِيم ). ( البقرة / 129 )
ويستجيب الله نداءهما ، ويبعث في أهل مكّة ، من أبناء إسماعيل محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) ويأتي الجواب لدعائهما واضحاً بقوله تعالى :
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُْمِّيِّينَ رَسُولاً مِنهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَل مُبِين ).( الجمعة / 2 )
ويوضِّح الرّسول الكريم هذه الحقيقة الكامنة في طي الغيب فيقول: « أنا دعوة أبي إبراهيم » .
ويصدع إسماعيل النبيّ بدعوته ويبشِّر برسالته نبيّاً ورسولاً للعرب : جرهم والعماليق وأهل اليمن ، ويبني اُمّة وجيلاً مسلماً حنيفياً ، وحين شعر إسماعيل بدنو الأجل ، وفترة الفراق أوصى لأخيه إسحاق وطلب أن تُزوّج ابنته (نسمة) لابن أخيه (العيص) بن إسحاق ، فنفّذ إسحاق الوصيّة ، وزوّج ابنة أخيه لولده العيص .
اختار الله نبيّه إسماعيل والتحق بالرفيق الأعلى بعد أن عاش عمر النبوّة الخصب الفيّاض بالعلم والعمل والهداية مدّة «137» سنة، وكانت وفاته بعد وفاة أبيه - على ما نقل المؤرِّخون - بـ «48» عاماً ، ودُفِنَ بالحِجْر إلى جوار اُمّه ، حيث هوى فؤاده وانصبت حياته وخلد ذكره ، واستمرّت اُمّة الخليل على دين إسـماعيل اُمّة مسلمة موحِّـدة حتّى أدخلت خزاعة الخرافة والوثنية ، وشوّهت عقيدة التوحيد ومنهاجها القويم في الحياة .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com