سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  إسماعيل وإسحاق


البشارة المعجزة ( إسحاق )

(وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ ). ( الصّافات / 112 )
ارتباط سارة بالخليل، ارتباط روح ومشاعر وعقيدة وكفاح ومعاناة، فقد آمنت به في ظلِّ الوثنية والإرهاب وطغـيان نمرود ، وهاجرت معه وصحبته في رحلة الدعوة إلى الله والجهاد من أجل العقيدة والمبدأ ، لترسم الطريق واضحاً نيِّراً ـ الطّريق الصعب المليء بالاشواك وقسوة الحياة وعسرة الكفاح ـ أمام المرأة ، فهي المرأة الّتي اختطّت طريق الهجرة والكفاح من أجل العقيدة في ظلال زوج نبي ، واصطحبته طول المسيرة وشاركته ملحمة الصِّراع الحضاري .
تزوّج الخليل سارة في بابل، وحين احتدم الصِّراع بينه وبين نمرود وأتباعه هاجر إلى (اُور الكلدانيين) جنوب بابل من أرض العراق ، واصطحب سارة معه رفيقة جهاد وحاملة مبدأ ، ومهاجرة من أجل عقيدة التوحيد ودعوة الهدى وخير الإنسان ، ثمّ يمّمت وجهها مهاجرة شطر الشـام ، تطوي الفيافي والقفـار ، وتقطع البيد الشاسعة برمالها وأشواكها . لقد كانت رحلة هجر وهجرة ومعاناة ، تدور حول الخليل حيث دار وتفيض من حوله مشـاعر الود والوفـاء .. فتحيل جفـوة الصحراء ، ووحشة الغربة ، إلى واحة حب واستئناس ، تضرب المثل الاعلى للمرأة المؤمنة الوفية ، وصاحبة العقيدة الصلبة الصابرة .. استقرّ الخليل وسارة ومَن معهما في أرض الشام وأقاموا فيها ردحاً من الزمن .. الخليل وسارة ومَن كان معهما ممّن آمنوا وهاجروا واُوذوا في الله .
قرّر الخليل الهجرة إلى مصر ، ولم تكن سـارة غير رفيقة درب وشريكة هجرة وجهاد يطلبون الميرة والتموين والتزوّد بالطعـام ، ويحملون الدعوة إلى الله ويبشِّرون برسالة الهدى ، فصاحب الرسالة ليس بوسعه أن يبصر شيئاً إلاّ من خلالها ، وليس لديه همّ سوى همّ حملها وتبليغها ، ولم يكن الخليل ليضيع فرصة الدخول إلى مصر دون أن يصدع برسالته ويبلِّغ دعوته ، فراح يجادل أهل الدعوات الباطلة ويدحض ادعاءاتهم ويردّها عليهم ، ويوضِّح لهم الطريق والمسار (58).
عاد الخليل إلى بلاد كنعان (الشام) ومعه جـارية مصريّة اسـمها هاجر .. توطّن في هذه البلاد ولم يكن له ولد ، فراح يرفع يد الضراعة والابتهال إلى الله سبحانه:
(رَبِّ هَبْ لي مِنَ الصّالِحِين ) .
فوهبه الله من هاجر ـ جارية زوجته الّتي وهبتها له ـ وهبه إسماعيل .
سارة تعاني من العقم وخلوّ الدّار من ابتسامات الطفولة العذبة ونظراتها الحلوة البريئة ، وها هي قد بلغت من الكبر عتيّاً ، وصارت تعيش سنّ اليأس وقد انقطع رجاؤها من الولد والذرِّيّة ، فليس بوسع انسان أن يتصوّر أو يرجو ميلاداً في هذا السِّنّ المتقدِّم في العمر ، ولكن قدرة الله فوق عالَم القوانين والطبيعة ، فهو الخالق المتصرِّف في الخلق ، القاهر فوق عباده ، القادر على ما يشاء.. وما أروع الرّجاء بعد اليأس ، والبُشرى بعد الغَمّ ، والعَطاء بعد المَنْع ، والفَرَح بعد الكرب ، واليُسْر بعد العُسر .. ويعظم ذلك حينما يكون الحدث خارجاً عن حدود المألوف من تفكير الإنسان وقوانين الحياة ، فتظهر يد الغيب جليّة ، وفيوضات الرّحمة واضحة وكرم الله شاخصاً .
سارة ابنة التسعين ، والخليل قد جاوز المائة من السنين (59)، وقد قضيا عمر الشباب وسني الانجاب فلم يأذن الله لاسحاق أن يبصر النور في هذه السنين الطوال :
(وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيَم بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جاءَ بِعِجْل حَنِيذ * فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِـلْنا إِلَى قَوْمِ لُوط * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ * فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجـادِلُنا فِي قَوْمِ لُوط * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ).( هود / 69 ـ 75 )
(إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنا المُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيّاً مِنَ الصّالِحِينَ * وَبَارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ).( الصّافات / 111 ـ 113 )
(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْل سَـمِين * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّة فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أيُّهَا المُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ ). ( الذّاريات / 24 ـ 32 )
(وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُـلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ بِمَن كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ).
( العنكبوت/ 31 و32 )
(وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم عَلِيم * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالحَقِّ فَلاَ تُكُن مِنَ القَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ ). ( الحِجر/ 51 ـ 58 )
ويشاء الله أن يمنّ على الخليل ويهبه إسـحاق ، فكان ميلاد هذا النبيّ معجزة تحدّت قوانين الطبيعة ، وخرجت على المألوف من تفكير الإنسان .. تحدّث القرآن عن هذا الوليد في آيات عديدة ، وشرح لنا كيف هبطت البُشرى .
تزامن ميلاد إسحاق بحدث تاريخي وتغيير اجتماعي خطير في تاريخ الإنسان ، تزامنت ولادته مع إهلاك قوم لوط ، فجاءت الملائكة تحمل البُشرى وقرار الفناء في آن واحد .
وهكذا شاء الله أن يهب الصالحين ، ويهلك الظالمين ، ويعرض هذه الصورة على الاجـيال الّتي تلت إسحاق ولوطاً وإبراهيم .. جاءت الملائكة تُبشِّر بإسحاق وتُنْذِر بالعقاب
والعذاب لقوم لوط (أصحاب المؤتفكة) في سادوم وعامورة ومَن حولها من قرى القوم الظالمة عند البحر الميت (بحر لوط) .
وصفَ القرآن الموقف وصوّره بإبداعه وتصويره الفنِّي الجميل :
الملائكة تحمل الانذار والعذاب ..
إبراهيم (عليه السلام) مضياف كريم يقدِّم الطعام إلى ضيوفه ..
سارة قائمة ومواظبة على خدمة الضيوف إلى جنب إبراهيم (عليه السلام) ..
حوار وجدال بين إبراهيم (عليه السلام) والملائكة بعد أن عرفهم ، يحاول فيه دفع العذاب وتأجيله، ويعكس صفة الحلم والحنان على البشريّة وإن أجرمت وأساءت لعلّها تعود وتهتدي ، إلاّ أنّ عدل الله وسابق علمه قد استوفى كل ما يمكن من فيوضات العدل والحكمة واللّطف ..
الملائكة تُبشِّر بميلاد جديد للاُم العجوز العقيم (سارة) .. الموقف والخبر يثير سارة فتضحك(60) وتستغرب الخبر، فتضع يدها على وجهها حياءً وخجلاً .. وتُجادل سارة الملائكة المتمثِّـلين بهيئة البشر ، وهي ترفع صوتها :
(فاقْبَلَت امرأتهُ في صرّة )(61).
(أَأَلِدُ وأَنا عَجُوز عَقيم ).
(وهذا بَعْلي شَيْخاً ).
تلك مشيئة الله وقدرته ، ولا داعي لليأس والقنوط ، فالله لطيف لما يشاء .. وهكذا تكتمل صورة المشهد في بيت إبراهيم (عليه السلام) ، عبر العديد من آيات وسور القرآن الحكيم ، فنلاحظ عناصر القصّة وشخصيّاتها وأحداثها والمواقف المأساويّة والأخرى المسرّة فيها .
إبراهيم وسارة والملائكة المتجسِّدون بشراً في غرفة الضيافة، يختلط الألم والرُّعب بالحلم والعطف والاستغراب والفرح والرجاء ، فتتفاعل بحرارة وجدل عنيف في إطار المشهد الصاخب المضطرم .
وينتهي المشهد ، ويتوجّه الملائكة إلى أرض لوط فينفذون فيها كلمة العذاب بما كسب أهلها وظلموا وانحرفوا ، فقد شاعت وسط هذا المجتمع الجاهلي المُرتَد فاحشة الانحراف والشّذوذ الجنسي ، فكانوا يأتون الرِّجال دون النِّساء ، ويجاهرون بالفواحش والمنكرات ، فأنزل الله عليهم العذاب بعد الرُّسل والهداية والانذار ، وهكذا ينزل العذاب في الأمم والشعوب وهي في نشوة القوّة والكبرياء والاستهزاء بقيم الحق والخير والعدل ، وتتفتّح أبواب الرّحمة على المُهتدين والصّالحين ، وهُم في حالة لا يملكون بها من وسائل العطاء والتغيير المرتبطة بقوانين الطّبيعة ، وسنن الحياة ما يدفعهم للطّمع بذلك ، فتأتي على حين غرّة ، وتُساق الألطاف والرّحمة الإلهيّة كما يُساق الغيم إلى الارض الجرز (الارض الميتة) ، فتهتزّ وتزهر بالخصب والرّواء ..
وهكذا أبدلَ الله إبراهيم وسارة بعد الشيخوخة والعقم والعجز ربيعاً جديداً للحياة، فأزهرت رياض البيت ، واخضرّ الجَنَابُ ، فكان البُشرى والوليد إسحاق بعد إسماعيل بثلاثة عشر عاماً .
وُلِدَ إسحاق وحاطه حنان الشيخين ، فشبّ وكبر برعايتهما ، شبّ على عقيدة التوحيد ، وفي بيت النبوّة وظلّ الأيمان ، وشاء الله أن يكون إسحاق (عليه السلام) نبياً وأباً لأمة من الأنبياء والرسل يربو عددهم على عدد الأنبياء الذين كانوا من ذرية أخيه اسماعيل (ع)، فكان من ذرِّيّته بنو إسرائيل وأنبياؤها ، ولبني إسرائيل قصّة وأحداث في ماضي التاريخ وحاضرهُ اتّسمت بالضّلال والجريمة والصّلف والعناد ضدّ أنبيائهم ورُسلهم الّذين بعثهم الله إليهم مبشِّرين ومنذرين ودُعاة للهُدى والإصلاح ، بعد أن ضيّعوا ملّة أبيهم إبراهيم ، وانحـرفوا وحرّفوا عقـيدة التوحـيد ، فشابوها بالوثنية والخرافات والأباطيل .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com