قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: إسماعيل وإسحاق
إسحاق (عليه السلام) على لسان الوحي
تحدّث القرآن الكريم عن إسحاق كما تحدّث عن إبراهيم ولوط ، وعرض علينا ملامح مرحلة تاريخيّة ، غنيّة بالتجارب والعِبَر ، تجسّدت بكامل أبعادها على أرض الشام، فصّلتها الأبحاث والدراسات التاريخيّة والتحرِّيات الأثريّة الّتي أثبتت أنّ تلك المناطق من بلاد الشام كانت الارض الّتي جرت عليها ملاحم جهاد إبراهيم ولوط وإسحاق ودعوتهم، وكفاحهم من أجل إنقاذ الإنسان وإصلاحه ، وبناء مجتمع وحضارة توحيديّة يعيش الإنسان في ظلالها حياة الأمن والاستقرار والاستقامة، كما ذكر المؤرِّخون الحروب الّتي وقعت بين الآشوريين والسدوميين، وانتصار إبراهيم (عليه السلام) للوط وخوضه معركة حامية إلى جانب لوط (عليه السلام) ضدّ الآشوريين ، وتحقيق النّصر بعدد قليل من أصحابه وغلمانه وعبيده لا يتجاوز الثلاثمائة وثلاثة عشر في هجوم مباغت وفعّال ضدّ الاشوريين (62)، كما ذكرت الدراسات والتحرِّيّات الاثريّة أنّ أرض البحر الميِّت في الاُردن ـ موطن قوم لوط ـ كانت منطقة أهوال طبيعيّة ، تعرّضت للزلازل والهزّات والكوارث كما وصفها القرآن الكريم بقوله : (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هذِهِ القَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماء بِمَا كانُوا يَفْسُقُونَ ). ( العنكبوت / 34 ) وذكر لنا القرآن أنّ هذه الارض (63) كانت يوماً ما أرض مدنيّة غنيّة ، وحياة اجتماعية .. فتحدّث عن الثّراء والغنى والخصب وتطوّر الحياة المدنيّة فيها ، بوصف موجز رائع يمكن تحليله واستنتاج أفكاره ، كما تحدّث أيضاً عن فساد هذه القرى وانحرافها بقوله : (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ العالَمِـينَ * أَإِنَّكُمْ لَتَـأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِـنا بِعَذَابِ اللهِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) . ( العنكبوت / 28 ـ 29 ) فالقرآن بنصِّه الوثائقي الموجز هذا قد أرّخ لجريمة الشّذوذ الجنسي الّتي جعل الله عقابها العذاب والدّمار . كما أنّ حديثه عن ناد لقـوم لوط وعن مجمـع يجتمعـون فيه للّهو والعَبَث والفساد ، يشير إلى حياة مدنيّة غنيّة انتقلت إلى مرحلة التّرف وإيجاد بيوت اللّهو والفساد والممارسة الجماعية المنظّمة للانحراف والرذيلة، بسبب فساد العقيدة والبطر والانحراف النفسي والوجداني الّذي يعاني منه الإنسان الجاهلي عبر العصور ، فأصبح الفساد والانحراف ظاهرة حضارية ومَعْلَماً سيِّئاً من معالِم ذلك المجتمع كما هي الحال في المجتمعات الجاهلية المعاصرة . في تلك الظروف والأوضاع الحضارية ، وُلِدَ إسحاق ليكون نبيّاً ومُصلِحاً وهادياً يواصل مسـيرة إبراهيم ولوط ، ويرفع راية الهُدى والأصلاح في أرض الشّام ، إلى جنب راية الهُدى في أرض الجزيرة راية إسماعيل ، وبقدر ما في ذلك المستنقع الحضاري من أوبئة وأمراض أخلاقية وفكرية وسلوكية عامّة؛ كان في شخص إسحاق النبيّ الّذي اُريدَ له ولذرِّيّته أن تستوعب دعوتهم تلك المساحة الارضية والبشرية، كان في شخصه الطُّهر والهداية والصّلاح .. فقد تحدّث القرآن عنه ووصفه بقوله : (وَبَشَّرْناهُ بإسحاقَ نَبِيّاً مِنَ الصّالِحِين ). (وبارَكْنا عليهِ وعَلى إسْحاق ). (إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلام عَليم ) . (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الآْخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ). ( العنكبوت / 27 ) (وَاذْكُرْ عِبَادَنا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الاَْيْدِي وَالأَبصارِ * إِنَّا أَخْلَصْناهُم بِخَالِصَة ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المُصْـطَفَيْنَ الأَْخْيارِ ) . ( ص / 45 ـ 47 ) وهكذا يشخِّص لنا النصّ القرآني أبرز معالم شخصيّة هذا النبيّ العظيم : «نَبِيّاً مِنَ الصّالحين» . «مُبارك» . «وباركنا عليه» . «عليم» . «مِن أُولي الاَيدي» . «أخلصناهُم بخالصة» . «مِنَ المصطفين» . «الاخيار» . وبهذا العرض والحديث القرآني عن شخصيّة إسحاق العظيمة نعرف ثناء القـرآن وإيحاءه للانسان بالاقتداء بالأنبياء ، واكتساب صفات الصّلاح والعلم وعطاء الخير والرّؤية الواضحة والعقل السّديد . فالله سبحانه لم يصطفهم ولم يخلصهم بخالصة ذكرى الدار الآخرة ولم يأمر نبيّه بأن يذكرهم ويُذكِّر بهم إلاّ لكمال ذواتهم وسموّ سيرتهم ، ومن خلال ذلك يستوحي الإنسان حثّ القرآن واهتمام رسالة الإسلام ببناء الإنسان الّذي يقتدي بالنبيِّين ، ويحمل العلم والصّلاح والخير ، ويمارس العمل الصالح بعقل سديد ورؤية علمية وأخلاقية واضحة ، كل ذلك ليربِّي الإنسان ، ويعينه على إعادة بناء ذاته وتغيير شخصيّته كلّما اعتراها الزّيغ أو أحاط بها الشّيطان ، ليبني الإنسان المستقيم والمجتمع المستقيم والدولة والقيادة المستقيمة ، لتتكامل عناصر البناء ويتم التغيير الشامل الّذي يريد الإسلام تحقيقه وفق رؤيته التغييرية الواضحة . وبالتأمّل في حديث القرآن عن الأنبياء تراهُ يعرضهم كقادة وأئمة وطلائع وطلائع للبشريّة، وأئمّة وعلى مستوى رفيع من العقل والخلق والسلوك القويم، فيُثبِّت في الأذهان أنّه لا يصح أن يقود البشريّة ويتولّى شؤونها ويمارس سياستها وتربيتها إلاّ مَن اتّصف بخُلق النبيِّين واستضاء بنور مبادئهم . فالاصطفاء والاختيار وإيتاء النبوّة والحكم الّذي تحدّث عنه القرآن لنماذج فريدة من بني الإنسان، ووضعهم في موضع القيادة دون غيرهم، ليُوضِّح ويُصرِّح بصفات القائد والامام الّذي يقود البشريّة ويهديها سواء السبيل ، لذا جعل إبراهيم إماماً للبشريّة ، ولذا كانت الامامة في ذرِّيّته ممّن لم يقترفوا ظلماً ولم يمارسوا فساداً : (... قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلْنَّـاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) . ( البقرة / 124 ) حتّى انتهت إلى رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الاطهار من خلال إسماعيل (أخي إسحاق) وذرِّيّة إسماعيل الّتي شاء الله أن تتألّق في نجم النبيّ الهادي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|