قسم:
الاول | قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: وجاء الطوفان
الهُدى والضّلال
الكون كلّة ـ بما فيه ـ أبدعته يد القدرة الالهية العظيمة ، وخلقت لكلِّ جزء فيه نظاماً دقيقاً يهديه ويعمل بمقتضاه ، وجعلت بين هذه الاجزاء نفسها نظاماً يربط بينها فيجعلها كلاًّ موحّداً متكاملاً . إنّ هذا النظام الكوني المتغلغل في العالم والّذي يسيِّره بدقة وحكمة باهرة قد جعل أجزاء الكون كلّها تجري وفق أحسن صورة وأكمل تركيب وأبدع ترتيب ، فكمال وجود هذه الاجزاء إنّما هو في استجابتها وخضوعها لهذا النظام الالهي في التكوين . وإذا حدث أن خرج شيء من الكون عن نظام وجوده ـ لسبب أو لاخر ـ فانّه سيصطدم بنظام الكون النافذ القوي ، وسيؤدِّي ذلك إلى تحطـيم هذا الشيء وتمزيق كيـانه . أوَما رأيت أو سمعت عن نجم في السّماء خرج عن مداره الّذي خلقه الله سبحانه ليدور فيه ، فإذا هو يسير في الفضاء بلا هُدى وبلا نظام ، فيصطدم بأحد الكواكب ويستقر عليه حطاماً وشـظاياً مبعثرة تالفة بعد أن كان يعمـل في نظام رائع دقيق ؟ ! والانسان أحد مفردات هذا الكون ، شأنه في ذلك شأن الشموس والكواكب والنجوم والجبال والبحار والنبات والحيوان ، أوجده الله تعالى ووهبه الحياة، ومنحه الارادة ووسائل الادراك بفضل منه سبحانه ورحمة ، دون أن تكون للانسـان في ذلك حرِّيّة الاختيار . فالانسـان ـ وبكل طاقاته ـ مخلوق لله في تكوين جسمه وعقله وغرائزه وعواطف نفسه ، وهو يسير في التكوين وفق الخطّة الّتي أرادها الله ربّ العالمين ، وتعمل طاقاته بموجب النظام الّذي أوجده الخالق العظيم ، فهو ـ أي الانسان ـ لا يملك أن يغيِّر أو يبدِّل في نظام الخلقة وخطّة التكوين ، فالله سبحانه هو المهيمن على الخلق ، وهو وحده الّذي يملك أن يتصرّف في قوانين الوجود ، لا نّه وحده الكامل الغني الّذي لا يحتاج إلى شيء ويحتاج إليه كلّ شيء . وما الانسان إلاّ ذرّة في هذا الوجود الواسع الفسيح المتعلِّق بالله تعالى ، الممتثل لامره ، والّذي لا ينحرف عن إرادته . فهو والكون بأسره ـ إذ يستجيب في قوانين تكوينه وحركة وجوده المستمرّة لمشيئة الخالق المهيمن ـ مخلوق مملوك ، يقوم بأجلى مظاهر الطاعة والعبادة والخضوع ، وتصدر عنه أعمق صور التقديس والتسبيح والتهليل لله الخالِق واهب الحياة : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمواتُ السَّبْعُ وا لاَْرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وإِنْ مِن شَيْء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِن لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَليماً غَفُوراً ) . ( الاسراء / 44 ) بيدَ أنّ إرادة الانسان ـ الّتي هي من هبات الله أيضاً ومن مخلوقاته ـ يبقى لها وضع خاص . فالخالق العظيم وهب الانسان ( إرادة ) في أعماقه ، بها يريد شيئاً ولا يريد شيئاً آخر . فإرادة الانسان ـ بهذا المعنى ـ إرادة حرّة تملك أن تختار هذا الموقف وأن ترفض ذاك . والانسان ـ لهذا ـ وحده المسؤول عن اختياره وعن أفعاله وسلوكه الّذي يفعله من تلقاء نفسه . إنّ اختيار الانسان وارادته ومواقفه يجب ألاّ تبدو في الكون نغماً ناشزاً غريباً على نظام الوجود ، فمن المنتظر أن تكون أفعال الانسان وأهدافه وغاياته في الحياة منسجمة ـ على نحو ما ـ مع الروح السارية في الكون كلّه، وهي روح التوجّه نحو الخالق والامتثال لامره . فالانسان ـ كما هو واضح ـ قطعة من هذا الكون المترامي المتناسق المنظّم ، وهو مرتبط به في نظام التكوين، فلابدّ أن يشارك الانسان هذا الكون ـ بملء إرادته ـ في وحدة الغاية والاتِّجاه بعد أن شاركه في وحدة المبدأ . ولكن : أين هي حينئذ حرِّيّة الانسان ؟ إنّ الانسان سـيكون حرّاً تماماً حين يحقِّق إرادة الله في مشاعره وفي سلوكه اليومي وفي مواقفه الاجتماعية وفي آماله وأحلام نفسـه ، لا نّه عمل على تلبية إرادة الله في سلوكه وتصرّفاته ومواقفه الحياتية باختياره الخالص وبإرادة منه، دون جبر أو إكراه، وإلاّ فهناك طريق آخر يستطيع الانسان أن يختاره بإرادته أيضاً ، هو طريق النغم الناشز الغريب ، وطريق الجزء المنحرف الّذي ضلّ عن مداره في الكون ، فيكون المرء وحده مسؤولاً حينئذ عن عاقبة اختياره ، ويكون وحده الّذي يتحمّل الشقاء والعذاب والدمار، كما يكون وحده الّذي يجني السعادة والطمأنينة والنعيم . كيف يحقِّق الانسان بإختياره إرادة الله ؟ في أغوار أنفسـنا وفي أعماق كياننا تركيبة من النزعات الفطرية الطبيعية . ومنذ الانسان الاوّل كانت هذه النزعات الفطرية ـ ولا تزال ـ نابضة في أعماق المرء توجِّه سلوكه العملي وجهة معيّنة ، وتصبغها بصبغتها الخاصّة، مثال ذلك النزعة إلى الاكل والاُبوّة والاُمومة والمقاتلة والجنس الاخر ... إلخ ، هذه النزعات كلّها منبثقة عن غريزة أساسية في النفس هي (حبّ الذّات) . ومن بين هذه النزعات نزعة قويّة تحاول أن تنهض بالانسان من ضعفه ونقصه وتجعله يتوق إلى كمال سام بعيد ، ففي أعماق الانسان شوق صادق للاقتراب من هذا الكمال ، وحنين داخلي مسـتمر إلى كمال حقيقي ، كمال لا يطرأ عليه نقص ولايفنى ولايزول ، كمال خالد أبدي لايضعف ولايضمحل. وينظر الانسان إلى أشياء الكون حوله فإذا هي ضعيفة مثله ، ناقصة مثله ، تحيا وتموت ، تشرق وتغيب ، تزدهر وتذبل ، تقوى وتضعف ، أمّا الكمال الخالد الابدي فهو ( شيء ) آخر وراء هذه الاشياء المادِّية في حياة الانسان ، انّه الله الّذي خلق كلّ شيء ، ويهيمن على كلّ شيء ، ويدبِّر أمر كلّ شيء ، ويحتاج إليه كلّ شيء ، وينجذب إليه كلّ شيء . فالفطرة الّتي أودعها الله في أعماق الانسان هي الدليل الّذي يدل المرء على خالقه ومبدعه ، فيشعر الانسان بالغبطة والسعادة أمام ربّه الرّحيم ، وعليه أن يتقدّم باختياره نحو الله سـبحانه بالحبّ والطاعة والخشوع والابتهال والدعاء والصلاة . إنّ هذا الميل النفسي العميق نحو الغنى المطلق والكمال المطلق ، نحو ربّ السّماوات والارض هو ما يُعرَف باسم ( الدِّين ) (1) ، أي أن يدين الانسان لله بالطاعة والانقياد ، وأن يعبده ويخشع له ويسبِّحه ويقدِّسه باختيار منه ووعي ، فتكون مشاعره وآماله ورغباته وتصرّفاته كلّها خالصة لوجه الله : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلْدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ ا لَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَليها لاَ تَبْديلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكِنّ أَكْثَرَ النَّاسِ لايَعْلَمُون ) . ( الرّوم / 30 ) وإنّ السّير في طريق الله واللّهفة إلى عبادته وحبّه والخوف منه هو ما يُعرَف باسم ( الايمان ) أو ( الهُدى ) . ولكن هذه الفطرة النابضـة لا تسـتطيع أن تعبِّر عن نفسها دائماً بوضوح ، فقد يطرأ عليها ما يفسدها ويلقي عليها ظلالاً معتمة قائمة ، فرواسب البيئة الفاسدة، وتحكّم العادة السيئة ومؤثّرات التربية المنحرفة وعوامل الوراثة والنوازع الغريزية الاُخرى غير المهذّبة ... إلخ ، كلّها عوامل تحجب النور عن البصيرة الفطرية ، وتغطِّي سبيل الفطرة بأكداس من النزاعات الفاسدة والافكار الخاطئة ، وعندئذ ينحرف الانسان ويضل عن الخط الّذي يوصله إلى الله سبحانه ، فيسمّى تخبّط الانسان في مثل هذه الحالة بـ ( الضّلال ) أو ( الانحراف ) أو ( الجاهلية ) . الفطرة إذن رسول من الله سبحانه إلى الانسان ، يرشده إلى خالقه المهيمن على الوجود، فيأنس به ويشعر بالسعادة الروحية الغامرة ويحسّ بالبهجة الداخلية العميـقة . ولكن ماذا لو ضلّ الانسـان عن ربِّه ولم يعرف الطريق إليه ؟ ماذا لو ضاع من أمام الانسان خطّ الفطرة الصافي المستقيم وغفل عن النزوع الداخلي إلى واهب الحياة ؟ أنت تتذكّر النجم الّذي ضلّ عن مداره في المجموعة الشمسية كيف تخبّط في سيره واضطرب ، وكيف اصطدم بكوكب فتحطّم واحترق ، كذلك هو الانسان حين يضلُّ ـ بإرادته ـ عن الطـريق ويفقد مداره الّذي ينبغي أن يسير فيه ، استجابة لامر الله في أفكاره وفي مشاعره وفي أخلاقه الفردية والاجتماعية . إنّ الانسان سيفقد السعادة الباطنية الرائعة الّتي يحسّها وهو يعبد الله ويبتهل إليه ويقدِّسه ، وستطفئ في نفسه تلك الشعلة المتوهِّجة بالخير والرّحمة والهُدى والعدالة والصفاء، وستغدو نفسه معتمة ضيِّقة تصطرع فيها الرّغبات الطائشة وتتكالب فيها الشهوات الجائعة ، فيخبو عندئذ العقل ويتحدّد الفكر بحدود المادة السطحية الّتي يراها بحواسه وحدها ، وسينفصل عن العالم الاوسع الرحيب ، عالم معرفة الله ، والشوق إليه ، والحذر من الانحراف عن طريقه ، وسيلجأ إلى عبادة الاوثان والاصنام ، أو عبادة فرد أو أكثر من البشر ، أو عبادة الشهوات والاهواء والنوازع المادية الاُخرى . هذا كلّه على صعيد الفرد نفسه ، أمّا على صعيد المجتمع الّذي لم يؤمن إيماناً واقعياً بالله ، ولم يعرف طريق الدِّين ، فانّه سيغدو مرتعاً للصِّراع المادِّي وللاختلاف بين إرادات الناس ، وللاضطراب والفوضى في النفس وفي النظم الاخلاقية . والعلاقة وثيقة بين فساد العقيدة وفساد العلاقات والنّظم والاخلاق داخل المجتمع ، فالمجتمع المنحرف أو الضال في عقيدته مجتمع فاسد في نظمه الاخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ويعيش في عناء وتعب ونزاع وشقاء . انّه يسير ، بمرور الزمن ، نحو الهاوية والدمار ، لينال العقاب الّذي هو جزاء مَنْ شذّ عن +مسيرة الكون . ولكن الله سبحانه يحب مخلوقاته ويرأف بها ويعطف عليها بلطف منه ورحمة ، وهو اللّطيف الرحيم . فإذا كان رسوله الاوّل إلى الانسان ـ وهو العقل الفطري ـ قد غرق بظلام المادّة وعمى الشهوات المنحرفة ، فإنّ العناية الالهية الرّحيمة ستختار من البشر فرداً منهم ـ له مؤهّلات خاصّة ـ ليكون رسـولاً إليهم ، يذكِّرهم بربّهم وينـبِّههم من غفلتهم ويدعوهم إلى استئناف المسيرة الحياتية في طريق الله وصراطه المستقيم. وهنا يأتي دور الانبياء (عليهم السلام) في حياة البشرية ، من أجل أن يتحقّق الانسجام الصادق بين إرادة الله في التكوين وإرادته في التشريع بشكل رائع جميل .
|
|
|
قسم:
الاول | قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|