اسم الكتاب: وجاء الطوفان
شمعة في الظّلام
وكان نوح (عليه السلام) أحد هؤلاء القلائل الذين استطاعوا أن يحتفظوا بصفاء الفكرة ويقظة العقل وسلامة التفكير . وكان يسكن مع قومه في قرية على متن الفرات ممّا يلي غربي الكوفة . وتذكر الروايات أ نّه لم يكن بينه وبين آدم (عليه السلام) أكثر من عشرة أجيال من البشر . وكان أغلب تلك الاجيال الماضية على بصيرة من الامر ، فكانت فطرة الله هي الهادية لهم في العقيدة وفي السلوك وفي المعاملات الاجتماعية . وقد خرج المجتمع قبل نوح (عليه السلام) من مرحلة الوحدة الفطرية إلى حالة الضلال وفساد العلاقات بين أفراد المجتمع ، وتحكّم الاقوياء في الضعفاء ، والصِّراع على المنافع المادِّية لاشباع الحاجات الفردية . إنّ الشعور بالغُربة عن القيم السائدة في المجتمع والغُربة عن العلاقات الّتي تربط بين الافراد وتحدِّد وجهة الانسان وغايته ، إنّ هذا الشعور كان يعتمل في نفس نوح الرجل المؤمن ، كما يعتمل مثل هذا الشعور بالغُربة في نفس كل إنسان أدرك طريق الله ووعاه واتّخذه منهجاً لحياته حين يرى المجتمع حوله في غفلة عن الحق وضلال عن الدِّين ، فيحدث في داخله الاحساس بالانفصال النفسي والفكري عن الناس . إنّه يرى في أعماق نفسـه وفي سـلوكه وفي أفكاره النضج والوعي والاستقامة والاخلاص والاهتداء الحيّ إلى طريق النور بجلاله وجماله المحبّب ، ويرى في حركة المجتمع حوله فوضى الافكار وفساد العلاقات والتخبّط في الظلمات ، بعد أن فقد المجتمع خيط النور الّذي يشدّه إلى خالقه العظيم ، ففقد بذلك أهم خصائص الحياة الانسانية ، ألا وهي المسيرة الاجتماعية المتصاعدة نحو السعادة والكمال .
|
|