سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  وجاء الطوفان


انحراف العقيدة

وجد نوح (عليه السلام) قومه عاكفين على أصنام لهم ، يقدِّسونها ويقدِّمون لها القرابين ويخصّونها بولائهم واحترامهم . كانت نصباً من الحجارة أو من مواد اُخرى ، يصنعها الانسان بيديه ، ثمّ حين تكتمل ينصبها في مكان يختاره على أ نّها إله له هيمنة ـ من نوع ما ـ على الكون والحياة ، فيحسّ الانسان نحوه بالحاجة ويشعر ازاءه بمشاعر التقديس والاحترام، ويرى أ نّه يتصرّف بأمر الانسان فيضرّه إذا أراد ، وينفعه متى أحبّ . لقد قطع الانسان المعاصر لنوح الرابطة المصيرية الحقيقية الّتي تصله بربّ الكون وخالق كلّ شيء ومالك كلّ شيء ، واتّجه بحسِّه وعواطفه وعقله نحو هذه الحجارة الصمّاء بالتضرّع والدعاء .
ولم يكن عدد هذه الاصنام والاوثان بالقليل ، فهي كثيرة شائعة ، في أماكن عامّة مُعدّة للعـبادة ، وفي البيوت . وقد ذكر القرآن الكريم من أسماء هذه الاوثان الّتي يعبدونها : ودّاً ، سواعاً ، يغوث ، يعوق ، نسرا .
ولنشأة هذه الاوثان قصّة . يحدِّثنا الامام محمّد الباقر (عليه السلام) عن أوّل وثن عُبِدَ من دون الله قبل نوح (عليه السلام) فيقول عن الوثن ( ود ) أ نّه :
« كان رجلاً صالحاً ، وكان محبّباً في قومه ، فلمّا مات عكفوا حول قبره في أرض بابل ، وجزعوا عليه ، فلمّا رأى إبليس جزعهم عليه تشبّه في صورة إنسان ثمّ قال : إنِّي أرى جزعكم على هذا الرّجل ، فهل لكم أن اُصوِّر لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به ؟ قالوا : نعم . فصوّر لهم مثله ، فوضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه ، فلمّا رأى ما بهم من ذكره ، قال : هل لكم أن أجعل في منزل كل واحد منكم تمثالاً مثله ليكون له في بيته فتذكرونه؟ قالوا: نعم. فمثّل لكل أهل بيت تمثالاً مثله ، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به ، وأدرك أبنـاؤهم فجعـلوا يرون ما يصنعون به ، وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إيّاه حتّى اتّخذوه إلهاً يعبدونه من دون الله» .
وإذن فهذه هي قصّة الوثنية عند قوم نوح . لقد بدأت في أوّلها تعبيراً عن مشاعرهم الدينية الاصلية تجاه رجل من المؤمنين بعد أن توفّاه الله سبحانه قبل أن يغرق المجتمع في الضّلال ، ولكن هذا التعبير الديني بدأ ينحرف شيئاً فشيئاً ، وكان إبليس يزيِّن لهم الانحراف ، ويجر الاجيال وفق خطّة ذات مراحل مترابطة إلى عبادة الاوثان عبادة حقيقية بعد أن كانت الاجيال الاُولى ترى فيها وجوداً رمزياً لرجال أخلصوا الايمان ، وكان الناس يتّخذونهم قدوة لهم وتذكيراً مجسّداً للهداية واستقامة السلوك .
وهناك وثيقة تاريخية اُخرى تؤكِّد هذا المعنى وتفسِّر تعدّد الاوثان الّتي غدت آلهة ، تفسيراً مماثلاً لقصّة ود .
يقول الامام الصادق (عليه السلام) عن تلك الاوثان :
« كانوا ( رجالاً ) يعبدون الله عزّ وجلّ فماتوا، فضجّ قومهم وشقّ ذلك عليهم، فجاءهم إبليس لعنه الله وقال لهم: اتّخذ لكم أصناماً على صورهم فتنظرون إليهم وتأنسون بهم وتعبدون الله! فأعدّ لهم أصناماً على أمثالهم، فكانوا يعـبدون الله عزّ وجلّ وينظرون إلى تلك الاصنام . فلمّا جاءهم الشتاء والامطار أدخلوا الاصنام البيوت . فلم يزالوا يعبدون الله عزّ وجلّ حتّى أهلك ذلك القرن(2) ، ونشأ أولادهم . فقالوا : انّ آباءنا كانوا يعبدون هؤلاء ، فعبدوهم من دون الله عزّ وجلّ » .
وهكذا ساد هذا التفسير الخاطئ ووقع الانسان في ضلال عقيدي حالك ، حتّى إذا جاءت الاجيال اللاّحقة احتذت السابقين وتلقّنت منهم ـ بتقليد ـ هذا التفسـير المنحرف للحياة . ولقد جهل هؤلاء إنّ تفسير الحياة وإدراك وجود خالق العالم ومبدع الكون والمهيمن على كلّ ما فيه ، ينبغي ألا يرثه الانسان وراثة اجتماعية يتلقّنها عن طريق المحاكاة العمـياء ، وإنّما ينبغي للارادة الحرّة في الانسـان أن تصل إلى التفسير الصحيح للحـياة في مبدئها الّذي انبثقت منه وفي مسيرتها الحاضرة وفي غايتها الّتي ستنتهي إليها ، عن طريق وعي مرتكز على الجهد العقلي وعلى التأمّل والتفكير ، ليقتنع الانسان من داخله بوجود ربّ العالمين ، وليتّجه نحوه بكلّ شوق ورغبة وإخلاص .
إندفع قوم نوح نحو أصنامهم هذه بحماسة شديدة، فهي ـ في زعمهم ـ الّتي تمنحهم الخصب والحياة، وتدفع عنهم ـ حين يتضرّعون إليها ـ الاذى والسـوء . وزاد من ارتبـاطهم بها أ نّها محسـوسة قريبة منهم ، يرونها بأعينهم ويلمسونها بأصابعهم ، فهي ألصق بحواسهم وأدنى إلى إدراكهم المادِّي القريب . وهم يمثِّلون بذلك لوناً من الطفولة الساذجة المتخلِّفة الّتي تتمثّل في الادراك المرتبط بالاشياء المادِّية المحدودة ، شأنهم في ذلك شأن الاطفال ، الذين يصعب عليهم الادراك المجرّد عن المادّة ، ويشق عليهم وعي التجريد الذهني في العقائد والافكار .
إنّ إدراك وجود الخالق وراء عالم الحس يحتاج من المرء إلى لون من الارادة الحرّة الواعيـة والفكر الموضـوعي المتّزن والفطرة النقيّة الصافية . وهذه العناصر الانسانية كانت أصداؤها خافتة لدى قوم نوح الّذين اندفعوا بطيش وترف نحو هذه الاصنام دون أن يلفتهم إلى الحقيقة صوت منبعث من الداخل أو من الخارج .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com