اسم الكتاب: وجاء الطوفان
سقوط القِيَم
إنّ مثل هذا المجتمع المليء بالمادِّية الخانقة والفرديّة الطاغية، والمحتدم بصراع الاهواء الغريزية والشهوات الجامحة ، والّذي خَفَتَ فيه صوت الرقيب الداخلي أو الحارس الباطني المتمثِّل باستشعار الخوف من الله والرّهبة منه ، والّذي انعدم فيه الانضباط القانوني السّليم في مجـال العلاقات الاجتماعية، إنّ مثل هذا المجتمع مستنقع ملائم جدّاً لنمو الانحراف الاخلاقي بشكل متوحِّش ، ومنحدر مناسب لسقوط القيم وتبدّد الشعور بالواجب والمسـؤولية الاجتماعية . فمن الرّوايات ما يشير إلى مظاهر الفوضى الاخلاقية الّتي غرق فيها مجتمع نوح ، من شرب الخمر والسّكر وإتيان الفواحش وفوضى العلاقات الزوجية ، فلم يعد هدف الكثير من الرِّجال والنِّساء الحفاظ على السكن الروحي الّذي هو نواة الكيان الاجتماعي بأسره ، فانطلقت أكثر النِّساء إلى الشارع يبحثن عن مواطن اللّهو والعبث : «فانطلقن فلبسن المعصفرات(3) من الثِّياب، وتحلّين وتعطّرن ثمّ خرجن، فتفرّقن في البلاد» . وحدث الاختلاط بين الرِّجال والنِّساء بعيداً عن العلاقة الزوجية السليمة ، فضاعت الحقوق وتلاشى عندهم الحدّ الفاصل بين الانسان والحيوان . ومعنى هذا كلّه انّ عصر نوح كان غارقاً بطـوفان ضخم من انحراف العقـائد وفساد العلاقات وخراب السلوك وعقم الامل وظلمة الغد . وممّا يزيد في شقاوة المجتمع وانحرافه أنّ نفسيّة الانسان حينذاك كانت نفسية مخدّرة راضية بالوحل الّذي تمرّغت فيه ، ولم تكن تشعر بأدنى توتّر نفسي بينها وبين عقيدة المجتمع ونظامه الفاسد حتّى تهبّ بعد ذلك للتغيير . فصوت الشهوة يطغى على صوت العقل ، وصوت الفطرة غائر ضعيف ، واهتمام الانسـان منصرف بحماسـة وطيش نحو اللّذائذ المادِّية المنحرفة ، ومن أجل ذلك تقول إحدى الرّوايات عن هؤلاء الناس انّه : « لم يكن فيهم أحد ينهى عن المنكر » .
|
|