سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  وجاء الطوفان


الشّرارة الكامنة

في قلب هذا المجـتمع كان يعيش نوح ، الرّجل الّذي تصفه إحدى الرّوايات بأ نّه كان: «دقيق الوجه، طويل اللِّحية، واسع العينين» ، ويعمل في حرفة النجارة .
ونوح الوحيد من بين الناس الّذي احتفظ بنقاء الفـطرة وسلامة البصيرة . لطالما استغرقه التأمّل في ملكوت السّماوات والارض، ولطالما قضى اللّيالي والايّام يفكِّر في هذا العالم ، في مظاهره الرّائعة المحيِّرة ، وفي مفردات هذا الكون المتناسق العجيب ، وفي اليد القديرة الحكيمة العظيمة الّتي تدبِّره وتعنى بأمره ، فتهتزّ نفس نوح من الاعماق، يقول له عقله : إنّ لهذا الكون ربّاً أبدعه وأمدّه بالحركة والحياة وأسبغ عليه الروعة والجمال . ويهديه تأمّله إلى أنّ لهذه النعم الّتي يجدها في نفسه وفي الحياة حوله خالقاً حيّاً قادراً غنيّاً حكيماً كريماً لا حدّ لقوّته ولا نهاية لمجده ، ويتلاقح صوت العقل المتيقِّط المتفتِّح مع صوت الفطرة الداخلية الناصعة، فيهتدي نوح إلى إيمان عميق يغـذِّيه العقـل وتباركه البصيرة ويخشع له القلب ، فينعكس على النفس وعلى السلوك رهافة واستقامة وإخلاصاً وصعوداً مستمرّاً نحو الكمال، وحركة داخلية لا تهدأ للدنوّ من الخالق الرّحيم ، في حبٍّ صادق وانجذاب قوي وفي شعور بالرهبة والجلال في الوقت نفسه .
لقد لمست قلب نوح شرارة الايمان ، فاشتعلت الجذوة فيه إلى الابد، وأيقظته على ملكوت الله سبحانه ، فتضاعف شوقه إلى مبدعه العظيم حتّى ملا نفسه وفاض على كلّ سلوكه، فكان يرى الله في كلّ شيء وقبل كلّ شيء وبعد كلّ شيء. ويشعر بفضل الواهب المهيمن وبنعمه الظاهرة والباطنة وبألطافه الّتي بها يتقوّم العالَم وبها يستمر الوجود ، فيضرع إلى الله اعترافاً بالعبودية ويخشع قلبه شكراً وحمداً وثناءً وتعظيماً ، حتّى عُرِفَ نوح بكثرة الشكر النابع من أعماق عقله وقلبه وكيانه كلّه. ويقدِّم القرآن الكريم شهادة تزكية لهذا المؤمن الصادق فيقول عنه :
(إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً ) .
ويحدِّثنا الامام الباقر (عليه السلام) عن لون من ألوان شكره لله تعالى على نعمه ، فيقول :
« إنّ نوحاً كان إذا أصبح وأمسى قال : أللّهمّ إنِّي أشهدك أن ما أصبح وأمسى به من نعمة في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك ، لك الحمد ولك الشّكر بها عليَّ حتّى ترضى وبعد الرضى» .
وينظر نوح إلى المجتمع الّذي يعيش فيه ويتعامل معه، فيحسّ بالمرارة تملا نفسه . فالناس من حوله في غفلة خانقة عن هذه الحقيقة الساطعة الّتي ملات الكون ونفذت في كلّ شيء فيه ، وتغلغلت في كيان نوح كلّه حتّى لم يعد لكيانه ـ لولاه ـ من وجود . ويمتزج في نفس نوح الشعور بالغضب المتيقِّظ تجاه قومه بالشعور بالشفقة والعطف عليهم . يشـعر بالغضب لا نّهم أسرفوا في غيِّهم وعمى بصائرهم وعكفوا على تلك الاحجار العاجزة يُؤلِّهونها ويُقدِّسونها من دون الله . ويشعر بالشّفقة والعطف لا نّهم حُرِموا من مثل هذه السّعادة الغامرة الّتي تفيض بها أعماقه ، ولا نّهم غافلون عن المنحدر الّذي يهبطون فيه سراعاً دون أن يفطنوا إلى المزلق الّذي سيزلقون منه في النهاية ، ويهوون إلى حيث عذاب الله وناره المضطرمة الّتي أعدّها لكلّ من كفر به .
ويشتدّ في نفس نوح شعوره بالغُربة عن مجتمعه وبالوحدة والتفرّد . ويهم أن يبدأ مع قومه حركة صراع فكري عقيدي لايقاظ النفوس وإرشادها إلى طريق الهداية والصلاح ، ولكنّه يجد في قومه إصراراً شرساً على متابعة السّير في طريق الضّلالة والانحراف ، ويحسّ نفسه عاجزاً ـ وحده ـ عن مقاومة هذا التيّار الطاغي، وهو فرد ضعيف يعمل في حرفة فقيرة متواضـعة ، بل انّه يخشى أن يقتله قومه إذا جاهرهم بعقيدته الّتي هداه الله إلى اعتناقها ، وعندئذ لن تربح عقـيدته شيئاً ، وسيضيع نوح كما يضيع حجر صغير قُذِفَ في أعماق البحر . فآثَرَ أن يعتزل قومه فكريّاً وروحيّاً ، وأن يحتفظ لنفسه بذلك التوهّج الحي في عقله وقلبه ومشاعره ، وإن بقيت له صِلات وعلاقات معايشة تربطه بمجتمعه بحكم كونه فرداً في جماعة .
وكم يتمنّى أن يرى المجتمع حوله قد أفاق من ضلاله وعاد إلى طريق الفطرة ، طريق الله ، فيتناغم عندئذ ما يراه في الواقع الاجتماعي مع ما في نفسه ، كما يتناغم الجمـيع مع ما في الكون كلّه في اهزوجة عميقة متجاوبة منسجمة متوافقة خاشعة لجلال الله وعظمة سلطانه ، كم يتمنّى ذلك ، ولكنّه يفتقر إلى القوّة العظيمة الّتي تستطيع أن تغيِّر هذا المجتمع في أفكاره ونفسيّته وسلوكه ، ويحتاج إلى اليد القويّة الّتي تمدّه بالعون وتعدّه بالفوز والنصر .
ويمرّ الزمان ، ويظلّ نوح صافياً نقيّاً ، تزيده الايام وعياً ، ويملؤه تأمّله في أحوال قومه يقظة وإصراراً على المحافظة على شعلة الايمان بالواحد الاحد . ولطالما كان يتأمّل في قومه ، ولطالما كان يأسى لهم بمرارة بالغة . ولقد كانت تلك فترة التحضير .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com