اسم الكتاب: وجاء الطوفان
إنفجر البركان
إنّ الله الرّحمن الرّحيم كتبَ على نفسـه أن يغمر الانسـان بلطفـه وأفضاله ورحمته ، وأن يبعث إليه من يعرِّفه بربِّه ويدلّه عليه ويهديه إلى عبادته ، لتحقّق الغاية من وجود الانسان على هذا الكوكب : (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وا لاِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون ) . ( الذاريات / 56 ) وإذا كانت غريزة التدّين في النفس قد غشيها ضباب معتم كثيف ففقدت الرؤية الصحيحة ، فانّ الله العادل الرّحيم سيرسل إلى الانسان مَنْ يقرع أمامه أجراس الخطر ، ويضع في طريقه إشارة الضوء الاحمر ، ليحذِّره من الانحراف والضّلال قبل أن يبلغ الانسان نهايته في هذه الحياة ، فيستحق عندئذ العذاب والعقاب الّذي لا يُردّ ولا يُؤجّل . وهذه سُنّة من سنن الله في العالمين تقتضيها عدالته المطلقة : (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) . ( الاسراء / 15 ) (وَمَا أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَة إِلاَّ لَهَا مُنْذِرُون ) . ( الشّعراء / 208 ) والنبيّ هو الرّجل الّذي يختاره الله سبحانه بحكمته ويصطفيه ويأتمنه على مهمّة تبليغ الرسالة ومهمّة التعريف والانذار : (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلْنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) . ( النِّساء / 165 ) وكان نوح من هؤلاء الرِّجال الّذين اصطفتهم العناية الالهية المقدّسة واختارتهم لمهمّة حمل الامانة والقيام بأعباء رسالة الله إلى دنيا الانسان ليعود بها إلى رشده . وتحدِّثنا إحدى الروايات عن اللِّقاء الاوّل الّذي تلقّى فيه نوح (عليه السلام) وحي الله عن طريق ( جبرئيل ) في لحظة من لحظات معاناة نوح النبيلة الرائعة . تقول الرّواية عنه : « إنّه كان نجّاراً ، فجاءه جبرئيل (عليه السلام) بالرِّسالة . فقال له : ما بالكَ معتزلاً ؟ فقال : لانّ قومي لا يعرفون الله فاعتزلت عنهم . فقال جبرئيل : فجاهدهم ! فقال نوح : لا طاقة لي بهم ، ولو عرفوني لقتلوني . فقال له : فان اُعطيت القوّة ، كنتَ تجاهدهم ؟ قال : وا شوقاه إلى ذلك ! فقال له نوح : مَنْ أنت ؟ ! فصاح جبرئيل صيحة واحدة فأجابته المـلائكة بالتلبية ، فبقي نوح مرعوباً » . وعندئذ طمأنه جبرئيل وقال له : ـ « الرّحمن يقرؤك السّلام ، وقد أتيتك بالبشارة . وهذا ثوب الصّبر ، وثوب اليقين ، وثوب النّصرة ، وثوب الرِّسالة والنّبوّة » . إنّ هذه اللّحظة القصيرة من الزّمن الّتي انفتح فيها وعي نوح على رسالة الله بهذا التبليغ الصريح ستغيِّر حياة نوح تغيِّراً جديداً مستمرّاً ، وسترسم لمسيرة البشرية كلّها وعلى طول التاريخ خطّاً جديداً متّصلاً . فمنذ أن تلقّى نوح رسالة ربّه على لسان الملك الصادق الكريم ، انبثق في أعماقه شوق متدفِّق لخوض غمار الصِّراع القويّ بين الهُدى الفائر في نفسه وبين ضلال مجتمعه وعتوّه وطغيان كبرائه . إنّه الان يتفاعل نفسيّاً ـ وبقوّة ـ مع حقيقة حيّة مؤثّرة غالبة ، ويحسّ أ نّه يرتبط بها ارتباطاً متلاحماً ، يستمد منها القوّة والعزيمة والاصرار، ويشعر ازاءها بأعمق مشاعر الاحترام ممزوجة بأرق مشاعر الحبّ . وهذه اللّحظة الحيّة هي الّتي أشعلت في باطنه ناراً مضطرمة لا تدعه يهدأ ولايفتر ولايستكين . لقد ذهب عهد العزلة الاجتماعية ، وانفتحت من حياة نوح صفحة جديدة، صفحة الانطلاق للعمل من أجل التغيير، تغيير العقائد والافكار والدوافع والمشاعر والسلوك ، تغيير (ما في النفوس) ليستعيد الانسان وعيه الكوني الصحيح ، وتكون صلته بالخالق المهـيمن محور وجود الانسان ونشاطه كلّه .
|
|