سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  وجاء الطوفان


المعارضة الجاهلة

كان نوح (عليه السلام) يعرض على الناس رسالة التوحيد بأسلوب ليِّن سمح نبيل ، ويتودّد إليهم ، ويخاطب بثقة ورقّة بذرة الخير في النفس الانسانية دون أن يلجأ إلى المواجهة العنيفة. فهو يبشِّر في محافل الناس ومجالسهم وفي الاسواق والاماكن العامّة. فكان أن تصدّت فئة الحاكمين المتسلِّطين لمعارضة دعوته ، فأنكر (الملا) نبوّته ورسالته وحقّروا دعوته ، باعتراضات تدلّ على ضيق آفاقهم الانسانية ، وعلى إنكارهم ما وراء المادّة والحواس ، وعلى فساد تصوّرهم للاشياء ، فكانت مجادلاتهم تقوم على هذه الاُمور :
1 ـ إنكار الطبيعة البشرية للنبيّ ، فهم يرون أ نّه إذا كان لنبيّ أن يُرْسَل فأ نّه يجب ألاّ يكون من البشر الذين هم أمثالهم في الخلقة والتكوين ، والنبوّة في ظنِّهم ينبغي أن تكون لكائنات فوق مستوى البشر ، فما نوح إذن إلاّ رجل يدّعي النبوّة ليستحوذ على أموال الناس ويستأثر لنفسه بالمنزلة والجاه والسلطان :
(فَقَالَ المَلاَُ ا لَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا ). (هود/ 27)
(مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُريدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُم ) . ( المؤمنون / 24 )
2 ـ إحتقار دعوته لانّ الذين سبقوا إلى الايمان بها إنّما هم من (أراذل) المجتمع، فكبراء القوم يأنفون أن يكونوا بمستوى واحد مع هؤلاء الضعاف المنبوذين إذا اتّبعوا النبيّ، فيكونون جميعاً أتباعاً لرسالة واحدة ، غافلين عن أنّ الدِّين يخاطب الانسانية الكامنة في داخل كلّ الانسان ، دون النظر إلى مركزه في المجتمع أو إلى ثرائه وكثرة عقاراته . وأنكى من هذا أ نّهم يتّهمون هؤلاء المسـتضعفين المؤمنين بأ نّهم آمنوا برسـالة نوح نتيجة اندفاع طائش ودون رويّة أو تفكير ، يقول الملا لنوح :
(وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ ا لَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنا بَادِيَ الرَّأْي ) . ( هود / 27 )
(قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الاَرْذَلُون ) . ( الشّعراء / 111 )
3 ـ إنكار أن يكون لنوح وللمؤمنين به أي فضل عليهم :
(وَمَا نَرَى لَكُم عَلَيْنا مِنْ فَضْل ) . ( هود / 27 )
سواء كان فضلاً في مال أو سلطة أو جاه ، أم فضلاً في معرفة الغيب ، فلا يصحّ في وهمهم أن يتّبعوا نوحاً والّذين آمنوا معه ، بل لا يصحّ لنوح أن يدعوهم إلى رسالته .
كذلك جادل نوحاً قومه ، فاتهموه بالزيف والكذب والادعاء فقالوا له ولاتباعه :
(بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِين ) . ( هود / 27 )
وواضح في جدالهم أ نّهم لم ينظروا إلى الفكرة الّتي دعاهم إليها النبيّ، فيناقشوا صحّتها ويتأمّلوا في صدقها وجمالها، بل تشبّثوا بأشياء جانبيّة ، وأصرّوا واستكبروا في الجدال .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com