اسم الكتاب: وجاء الطوفان
صوت النّبيّ من جديد
وبسماحة النبيّ وسموّه وثقته بربّه يتلقّى نوح موقف قومه المعاند المستكبر ، فلا ينفعل ولا يطيش كما طاشوا وانفعلوا ، إنّه مرتبط بالقوّة العظمى في هذا الكون ، وهو على بيِّنة من أمر نفسه ومن أمر قومه ، ولم يثنه عن غايته ما لقيه من قومه من رد وإعراض واتِّهام ، فانّ عليه أن يواصل الطريق حتّى النّفس الاخـير . ويتلطّف نوح في الخطاب من أجل أن يلفتهم إلى ما غفلوا عنه ، فإذا هو يقول لهم : (يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُم إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّـنَة مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُم أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُم لَهَا كارِهُون ). ( هود / 28 ) (وَيَا قَوْمِ لاَ أَسْأَ لُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ ا لَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُون ). ( هود / 29 ) (وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِن طَرَدْتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُون ). ( هود / 30 ) (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ ا لْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِما في أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِين ). ( هود / 31 ) وهكذا يريد النبيّ أن يعلِّمهم أ لاّ يقيسوا الاُمور بظواهرها السطحية الضحلة، وإنّما ينبغي عليهم أن ينفذوا ببصيرتهم إلى جوهر الحقائق الحيّة في هذه الحياة ، فأوضح لهم : 1 ـ إنّهم باتِّخاذهم المقياس المادي الظاهري للاشياء لايستطيعون أن يدركوا أنّ الله سبحانه قد اختاره للنبوّة وآتاه رحمة من عنده ، فلم يبق لهم من سبيل غير أن يخلعوا هذا المقياس السطحي ويطرحوا عنادهم واستكبارهم ليدركوا حقاً أ نّه بشر رسول ، وإذا أصرّوا فماذا يستطيع النبيّ أن يفعله من أجلهم ؟ ! 2 ـ إنّ الغاية من دعوته هي أن يدلّ الناس على صراط الله المستقيم، وليس له من مطمع في مال أو سلطة وزعامة كما يدّعون ، فإنّ العوض والاجر عند الله وحده . 3 ـ إنّ هؤلاء الّذين يُسمّون (الاراذل) هم رجال أسوياء من الوجهة الانسانية الخالصة ، عرفوا طريقهم إلى ربِّهم وعرفوا المنهج الصحيح في الحياة ، وما الفقر والغنى سوى مسألة جانبية لا اعتبار لها في ميزان الله . ومن أجل هذا لم يقل نوح عنهم انّهم (أراذل) وإنّما قال : (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ ا لَّذِينَ آمَنُوا ) . ( هود / 29 ) وهو لن يطردهم ويبعدهم عنه ـ وهم أكرم مَنْ سمع نداء دعوته ـ فيكون من الظالمين ، والله لا بدّ أن ينتصر للمظلوم من الظالم وينتقم له ، والله عزيز ذو انتقام . 4 ـ إنّه لا يدّعي لنفسه شيئاً من الفضل كأن يزعم أ نّه مهيمن على خزائن الارض، وأ نّه يعلم غيب السّماوات، فيستأثر لنفسه بالخير والرّفاه ، أو أ نّه يدعي صفة أعلى من صفته الانسانية الواقعية البسيطة ، وانّما هو بشر رسول من عند الله ، وليست للرسول إلاّ الرسالة والتبليغ والانذار ، كل ذلك بفضل من الله ورحمة .
|
|