اسم الكتاب: وجاء الطوفان
المرحلة الحرجة
وشاء الله تعالى أن يمدّ في عمر نوح ليعاصره عدّة أجيال يبلِّغهم رسالة الله وينصح لهم . ولقد استخدم النبي (عليه السلام) عدّة ألوان من أساليب العمل، حسب طبيعة الواقع والظّرف الّذي يعمل فيه ، حتّى استوفى كفاحه ، فعمل في السرّ كما عمل في العلن ، ولم يدع وقتاً يمرّ دون أن يستثمره للدعوة والتبليغ، ولكن كلماته كانت تصطدم بجدار بشري أصم ثمّ ترتد إليه كما انطلقت . وكان الناس يتواصون فيما بينهم أن يحذروا نوحاً ودعوته : (وَقالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ ويَعُوقَ وَنَسْرا ) . ( نوح / 23 ) وكانت هذه الوصيّة من ضمن ميراث الاباء إلى الابناء وإلى الاجيال الاتية الّتي حملت راية الضّلال بعناد أكبر وأعتى . واشتدّت على نوح محنته في قومه واشتدّ أذاه ، وامتلات نفسه بالمرارة، فكان يبدو شديداً صارماً إذا غضب . لقد كان نوح من قبل يدعو الله أن يهدي هؤلاء القوم وأن يغفر لهم إسرافهم وجهلهم ، ولكن المنحنى النفسي لنوح (عليه السلام) بدأ يتغيّر حين أيقن انّ النفوس انغلقت أمامه تماماً ، وأنّ الّذين آمنوا معه هم وحدهم الّذين كانت في نفوسهم ذبالة من الفطرة ، ولم تبق في الساحة إلاّ النفوس المظلمة العاتية الّتي توطّنت بعناد وإصرار شديد على الضّلالة والجاهلية والانحراف . وكان يتكـرّر مشهد تعذيب النبيّ والبطش به في محاولة لتصـفيته جسدياً ، فكثيراً ما كانوا يعمدون إليه ، كما تقول الرواية : « فيضربونه حتّى تسيل مدامعه دماً ، وحتّى لا يعقل شيئاً ممّا يُصْنَع به ، فيُحمل فيُرمى في بيت أو على باب داره مغشيّاً عليه ، فعندها أقبل على الدّعاء عليهم ، ولم يكن دعا عليهم من قبل » . إنّ هذا العناء الطويل والشّقاء الضّخم الّذي كان يقاسيه نوح ، وما يقابله من إعراض وسخرية مرّة مستمرّة ، ومن حرمان وعزلة اجتماعية فرضها عليه مجتمعه طيلة تلك السنين المديدة ، إنّ ذلك كلّه كان متوقّعاً أن يتعب نفسية الرّجل الرسالي ويرهق أعصابه ، فيحسّ بالتعب من الصِّراع الطويل ويتنازل بسـبب ذلك عن قليل أو كثير من مبادئ دعوته . إنّ ذلك كان متوقّعاً لو لم يكن نوح نبيّاً مرتبطاً بمصدر القوّة والامل والرّجاء ، وعلى صلة دائمة بوحي السماء ، ولو لم يكن عظيم الثقة بالله الّذي يمدّه بالعون ويربط على قلبه بالصّبر والثّبات والاستمرار والوعد بالنصر المحتوم . ويلجأ نوح ـ كما هو دأب المؤمن دائماً ـ إلى ربِّه ، فيشكو مجتمعه الجاهلي العاتي العنيد، ويطلب منه سبحانه ـ بتوسّل وضراعة وابتهال ـ أن يضع حدّاً لمعاناته الصعبة الطويلة القاسية : (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُم عَصَوْني وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارا * وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّارا ) . ( نوح / 21 و 22 ) (رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِي مِنَ المُؤْمِنِين ) . ( الشّعراء / 117 و 118 ) إنّ نوحاً النبيّ الغاضب يدرك أنّ كفاحه ـ إذا استمرّ ـ سيكون بلا معنى ولا مسوِّغ واقعي، فإنّ دعوته لن تزيد الطّاغين الضّالِّين إلاّ إعراضاً وانفلاتاً : (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُم وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارا ) . ( نوح / 5 ـ 7 ) إنّ الصِّراع الكبير إذا استمر بين الفريقين غير المتعادلين قوّة وعدّة وعدداً سيعرِّض خطّ الهُدى إلى الخطر الجسيم ، ومن هنا لجأ نوح إلى مصدر القوّة والامل والرّجاء ، إلى الله الكبير المتعال ، صاحب الرسالة ، المتكفِّل بحمايتها ونصرتها في حومة الصِّراع : (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ا لاَْرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُم يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إلاّ فَاجِراً كَفَّارا ) . ( نوح / 26 و 27 )
|
|