اسم الكتاب: وجاء الطوفان
اليوم الموعود
وحين انتصبت السفينة على البرِّ قويّة رائعة عظيمة ، جاءه أمر الله بالتهيّؤ للحدث الكبير : (حَتّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّـنُّورُ ((8)) قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيل * وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاها وَمَرْسَاهَا ، إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيم ) . ( هود / 40 و 41 ) لقد أدخل نوح (عليه السلام) في سفينته ، هو الرّبّان القائد وقت السّلم وعند الكارثة ، أصحابه المؤمنين وحدهم ، وحمل معه فيها من كلّ المخلوقات ذكراً واُنثى ، ليحفظ الله هذه الكائنات من الانقراض بعد حلول الدّمار الشّامل الرّهيب . وعند اللّحظة الكونية الحاسمة، ماجت السّماء بالغيوم الثقيلة السوداء المخيفة ، واهتزّت الارض بما تفجّر فيها من عيون ماء تندفق بلا عدد ، وبدأ المطر الشديد بالتساقط القوي المنهمر ( كأ نّه أفواه القِرَب ) ، فامتلا الفرات وفاضَ على جوانبه الماء وساحَ حتّى غمر الارض من حوله ، وارتفع الماء ، والمطر ما يزال يصبّ بقوّة وبلا انقطاع حتّى غطّى وجه الارض ، والسّفينة المغلقة المحكمة الصنع ترتفع براكبيها فوق ظهر البحر الواسع الكبير تضربها الامواج العظيمة الهائجة : (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّماءِ بِمَاء مُنْهَمِر * وَفَجَّرْنَا الاَْرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْر قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَ لْوَاح وَدُسُر((9)) * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كَفَر ) . ( القمر / 11 ـ 14 ) لقد غشى الطوفان الارض، فهلك مَن بقيَ خارج السّفينة من الغرق . إنّ الماء الّذي هو رمز الخصب والخضرة والحياة يتحوّل إلى رمز للغضب والنقمة والدمار ، فيهلك مَنْ على الارض ، ويغسل ما عليها من الفساد . لقد أتاهم العذاب من حيث لا يحسـبون ، واقتحم العـقاب عليهم حياتهم من حيث لا ينتظرون ، ولم يكن متوقّعاً لديهم أنّ نوحاً ومَنْ يقف وراء نوح ويسنده قادر ـ بطريقة ما ـ على أن يحلّ بهم وبحضارتهم الدّمار والخراب بهذا الشكل المفاجئ الغريب . لقد سخروا من الفكرة الصّادقة ، وأغوتهم العقيدة المادِّية الضيِّقة ، فعميت بصائرهم عن رؤية حقائق الكون ، وأعرضوا عن الجبّار الّذي خلقهم لطاعته ، والّذي بيده ملكوت كل شيء ، فجاءهم جزاء ما عملوا في هذه الحياة الدنيا انتقاماً ماحقاً ، ويوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب : (مِمَّا خَطِـيئاتِهِم أُغْرِقُوا فَأُدْخِـلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِـدُوا لَهُم مِن دُونِ اللهِ أَنْصَارا ). ( نوح / 25 ) إنّ انتقام الله عزّ وجلّ من الجاحدين الظالمين لا يردّه أحد ولا يمنعه أحد ، ولا ينجي إلاّ الايمان بالله والتصديق برسـله ، والمؤمن نفسـه لا يستطيع أن يعصم كافراً ـ وإن كان ابنه أو أخاه ـ من نقمة الله وعقابه ، ولقد واجه نوح (عليه السلام) أثناء الطوفان درساً من هذا النوع ، فزوجته الّتي خانت رسالته غرقت مع الغارقين ، ولم يغن نوح عنها من الله شيئاً . ونظر نوح إلى أحد أبنائه عند بداية الطوفان ، وهو يركض باتِّجاه جبل لعلّه ينجيه من العذاب ، فنصحه نوح أن يلتحق بالسفينة ، ولكن غرور الشباب طغى عليه فابتلعه الماء : (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْج كَالْجِبَالِ وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِل يَا بُنَيَّ ارْكَب مَعَـنَا وَلاَ تَكُن مَعَ الكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إلى جَبَل يَعْصِـمُنِي مِنَ المَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِين ) . ( هود / 42 و 43) (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِـينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح فَلاَ تَسْأَ لْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَ لَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِنَ الخَاسِرِين ) . (هود / 45 ـ 47 ) إنّ الدِّين يعلِّم الانسان أنّ أهله وأخوانه هم الذين ساروا معه على خطّ الدِّين ، وحملوا مشعل الهداية أمام الناس . أمّا علاقات النّسب ، إذا تعارضت مع العقـيدة ، فهي غير ذات اعتبار . إنّ الاُخـوّة في الله هي علاقة النّسب الجديدة السامية .
|
|