اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
بزوغ الفجر
في يوم الجمعة ، الثالث عشر من شهر رجب المبارك ، وقبل بعثة محمّد رسول الله (ص) باثنتي عشرة سنة ولد علي بن أبي طالب (ع) في الكعبة المشرقة. وفي كتب السيرة المطهّرة روايتان حول هذا الموضوع المثير الذي تميّز به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) دون سواه من الناس نذكرهما معاً: اخرج الفقيه الحافظ الخطيب أبو الحسن علي ين محمد بن محمد الواسطي الجلاّبي الشافعي الشهير بابن المغازلي المتوفى عاّم 483هـ باسناده عن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام مايلي: [ كنت حالساً مع أبي ونحن زائرون قبر جدنا عليه السلام وهناك نسوان كثيرة اذ اقبلت امرأة منهن فقلت لها: من أنت يرحمك الله؟ قالت: انا زيده بنت قريبة بن العجلان من بني ساعدة، فقلت لها: فهل عندك شيء تحدثينا؟ فقالت: أي والله، حدثني امي عمارة بنت عبادة بن فضلة بن مالك بن العجلان الساعدي انها كانت ذات يوم في نساء من العرب اذ اقبل أبو طالب كئيباً حزيناً، فقلت له: ما شأنك يا ابا طالب؟ قال: انّ فاطمة بنت أسد في شدة المخاض، ثم وضع يديه على وجهه. فبينما هو كذلك، إذ اقبل محمد صلى الله عليه وسلم فقال له: ما شأنك يا عم؟ فقال: انّ فاطمة بنت اسد تشتكي المخاض، فاخذ بيده وجاء وهي معه فجاء بها الكعبة فأجلسها في الكعبة، ثم قال: اجلسي علي اسم الله! قال: فطلقت طلقة فولدت غلاماً مسروراً نظيفاً منظماً لم أرّ كحسن وجهه فسماء ابو طالب علياً وحمله النبي (ص) حتى اداه إلى منزلها. قال علي بن الحسين عليه السلام: فو الله ما سمعت بشيء قط إلاّ وهذا أحسن منه] (13). اخرج العلامة المحقق ابو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الاربلي المتوفى عام 693هـ عن يزيد بن قعنب مايلي: [ كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، وفريق من بني عبد العزى بأزاء بيت الله الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (ع) وكانت حاملاً به لتسعة أشهر، وقد اخذها الطلق فقالت: يا رب اني مؤمنة بك، وبما جاء من عندك من رسل وكتب واني مصدقة بكلام جدي ابراهيم الخليل (ع) وانه بنى البيت العتيق فبحق الذي بنى هذا البيت والمولود الذي في بطني الا ما يسرت عليّ ولادتي. قال يزيد بن قعنب: ( فرأيت البيت قد انشق عن ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت عن ابصارنا وعاد إلى حاله، فرمنا ان ينفتح لنا قفل اللباب فلم ينفتح فعلمنا ان ذلك من أمر الله تعالى، قم خرجت في اليوم الرابع وعلى يدها امير المؤمنين علي ين أبي طالب (ع)] (14). هذا ومن الجدير ذكره انّ حادثة ولادة علي (ع) في جوف الكعبة يذكرها الكثير من علماء المسلمين ومؤرّخيهم من امثال: العلامة سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى عام 654هـ تذكره الخواص، والشيخ ابو جعفر الطوسي المتوفى عام 460 في اماليه، والشيخ المفيد المتوفى عام 413هـ في الارشاد والسيد ابن طاووس المتوفى عام 664هـ في الطرائف، والمسعودي المتوفى عام 346هـ في اثبات الوصية ومروج الذهب، وغير هؤلاء كثيرون. ومما ينبغي ذكره هنا أنّ اياً من الروايتين صحت فأن الفضل الذي ناله أمير المؤمنين علي (ع) عبر ولادته في جوف الكعبة لم ينله احد في تاريخ الانسانية على الاطلاق، وهكذا كان علي (ع) أول مولود ولد في الكعبة المشرفة ولم يولد فيها بعده سواه تعظيماً له من الله سبحانه واجلالاً. واسرع البشير إلى ابي طالب وأهل بيته فأقبلوا مسرعين والبشر يعلو وجوهم، وتقدم من بينهم محمد المصطفى (15) (ص) فضمه إلى صدره إلى بيت أبي طالب، حيث كان الرسول في تلك الأونة، يعيش مع خديجة، في دارهما منذ زواجه منها. وانقدح في ذهن أبي طالب، أن يسمي وليده ((علياً)) وهكذا كان. وأقام أبو طالب وليمة، على شرف الوليد المبارك، ونحر الكثير من الأنعام (16). وقد حضر وليمته جمع حاشد من الناس قدموا التهاني، وعاشوا ساعات من البهجة، أبدوا فيها مشاعرهم الفياضة، وأحاسيسهم السامية، نحو عميدهم شيخ الأبطح، ووليده المبارك. ومرت الأيام سريعة، والوليد المبارك يتقلب بين أحضان والديه، أبي طالب، وفاطمة، وابن عمه محمد (ص)، الذي كان دائم التردد على دار عمه، التي ذاق فيها دفء المودة، وشرب من ينابيع الاخلاص والوفاء الصافية، خلال سنوات صباه وشبابه. أجل كان النبي محمد (ص) يتردد كثيراً على دار عمه، بالرغم من زواجه من خديجة، وعيشه معها في دار منفردة، وكان يشمل علياً بعواطفه، ويحوكه بعنايته، ويناغيه في يقظته، ويحمله على صدره، ويحرك مهده عند نومه، إلى غير ذلك من مظاهر العناية والرعاية.
|
|