سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)


حصيلة الاعداد النبوي

أشار الامام عليّ (ع) إلى أبعاد التربية الّتي حظي بها من لدن اُستاذه ومربِّيه الرّسول (ص) ، ومداها وعمقها ، وذلك في خطبته المعروفة بالقاصعة ، إذ جاء فيها ما نصّه :
«(وقد علمتم موضعي من رسول الله(ص)،بالقرابة القريبة،والمنزلة الخصيصة،وضعني في حِجْرِه وأنا ولد ، يضمّني إلى صدرِه،ويكنفني في فراشه،ويمسني جسده،ويشمّني عَرْفه، وكان يمضغ الشيء ثمّ يلقمنيه،وما وجد لي كذبة في قول،ولا خطلة في فعل) .
(ولقد قرن الله به (ص) ـ من لدن أن كان فطيماً ـ أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت أتبعه اتّباع الفصيل أثر اُمِّه ، يرفع لي في كلِّ يوم من أخلاقه علماً ، ويأمرني بالاقتداء به) .
(ولقد كان يجاور في كل سنة (بحراء) ، فأراه، ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسـلام غير رسول الله (ص) وخديجة ، وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوّة) » (21) .
والذي يستقرئ هذا النص بامعان، يتجلّى له أنّ علياً (ع) قد حظي برعاية الرسول (ص) وحدبه، وإيثاره منذ أيام طفولته، فكان يمضغ الشيء ثم يضعه في فيه، ويضعه في حجره، ويضمه إلى صدره، ويعامله كما لو كان ولده الحبيب.
أما وفي صباه وشبابه ، انصبَّ جهدُ رسول الله (ص) على تكوين شخصيته : إذ كان يأمره بالاقتداء به ، وسلوك سبيله ، وفي كل يوم يرفع له من أخلاقه عِلْماً وعليٌّ كان يتبع أثره ، أوّلاً بأوّل ، كما يصف ذلك في حديثه .
ولهذا وذاك ، فإنّ اختيار عليّ (ع) من لدن الرسول (ص) يوم أملق أبو طالب ـ كما أسلفنا ـ كان مخططاً هادفاً ابتداءً لكي يأتي عليّ (ع) صورة مجسدة لشخصية رسول الله (ص) ، في فكره ومواقفه وشتى ألوان سلوكه ، بل حتّى في مشيته (22) .
ولقد كان الامام (ع) من الصفاء الروحي ، والاستقامة الخلقية ، وفقاً لما علّمه رسول الله (ص) ، بحيث كانت تتكشّف له الكثير من حجب المستقبل المستور ، فها هو يقول :
« ولقد سمعتُ رنّة الشّيطان حين نزول الوحي عليه (ص) فقلت : يا رسول الله ! ما هذه الرّنّة ؟ فقال : هذا الشيطان قد أيس من عبادته ، إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلاّ أنّك لست بنبيّ ، ولكنّك وزير ، وإنّك لَعَلى خير » (23) .
فانّ الشوط الّذي قطعه في مضمار التقرّب إلى الله سبحانه، وامتثال أوامره، وتجسيد متطلّبات رسالته ، رشّحه لان يكون وزيراً للنبوّة ، وهو مقام لا يناله إلاّ من قطع شوطاً بعيداً باتّجاه قمة الفضيلة والسمو الروحي والمعنوي ، فلم يَفْصلْهُ عن الرّسول (ص) إلاّ درجة النبوّة ، فارتقى منصّة الوزارة بحقٍّ وجدارة ، وهكذا كان عليّ .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com