سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)


في كنف الوحي

وإذا كان الامام(ع)قد عاش ست سنوات في أحضان والديه واخـوته،وكان لرسول الله(ص) دور بارز في رعايته طوال تلك السنوات الندية من عمره(ع).فإنّ رعاية عليّ وتربيته صارت من اختصاص المصطفى (ص) دون منازع منذ السنة السادسة ، حيث انتقل (ع) إلى دار رسول الله (ص) على إثر الضائقة المالية الّتي ألمّت بأبيه أبي طالب ـ كما ذكرنا ـ .
ومنذ تلك السن المبكّرة عاش عليّ (ع) مع رسول الله (ص) في بيته قبل الدعوة ، حيث قضى تحت رعايته سنوات الصبا وسنوات التفتّح على الحياة ، وخلالها عايشَ الامام (ع) كلّ التطورات الّتي اكتنفت حياة الرسول (ص) .
وبناءً على ذلك فعلي لم يحظ بالتربية المألوفة ، الّتي يحظى بها غالباً طفل من لدن أبيه ، أو صغير من قِبَل أخيه الاكـبر ، وانّما كان إعداده وتربيته من نوع خاص ، وحسبك أنّه كان يتبع محمّداً (ص) حتّى في ساعات اختلائه في غار حراء ، ويشهد التطوّر الروحي والفكري الّذي كان رسول الله (ص) يمرّ فيه ، وها هو (ع) يستذكر تلك الايّام الخالدة وذلك الشطر الحساس من حياته ، فيقول :
« ولقد كان يجاور كل سنة بِحِراء، فأراه ولا يراه غيري »(24)، أجل كان (ع) يعايش التحوّل الروحي الهائل الّذي شهدته نفس المصطفى (ص) ، حتّى أشرف عليه وحي السماء المبارك لينهض بمهمّة الدعوة إلى الرسالة الالهيّة الخاتمة .
ولقد كان للمستوى الروحي والخلقي البعيد المدى، الذي سمت إليه نفس علي (ع)، أن شعر بالتحول الكبير الذي جرى في عالم الغيب، حيث شهد (ع) ارهاصات النبوة التي شهدا استاذه ومعلمه الرسول (ص)، وعاشها بملء كيانه قبل تلقي الرسول الخاتم (ص) اول بيان من السماء لتكليفه بحمل الرسالة والدعوة إليها حيث البعثة المباركة:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ا لَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ا لاْنْسَانَ مِنْ عَلَق * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَْكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الاِْنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) . (العلق /1 ـ 5 )
فمن هذه الارهاصات الّتي شهدها قلب عليّ (ع) وروحه الطاهرة ما تعكسه هذه الروايات والآثار التاريخية الدالّة :
فقد اخرج البيهقي في دلائل النبوة عن علي (ع) ما يجسّد هذه الحقيقة حيث قال (ع):
[ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر، ولاجيل إلا قال له: السلام عليك يارسول الله ] (25).
2 ـ حدّث كمال الدين ميثم بن عليّ البحراني المتوفّى عام (679 هـ ) في شرحه لنهج البلاغة بما يلي :
« رُوِيَ في الصحاح : انّه كان (ص) يجاور بحراء في كل سنة شهراً ، وكان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين ، فاذا قضى جواره انصرف إلى مكّة ، وطاف بها سبعاً قبل أن يدخل بيته حتّى جاءت السنة الّتي أكرمه الله فيها بالرسالة ، فجاء في حراء في شهر رمضان ، ومعه أهله : خديجة وعليّ وخادم » (26) .
3 ـ وعن أبي مسعود قال :
« قدمتُ إلى مكّة فانتهيت إلى العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ عطّار جالس إلى زمزم ونحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا عليه ثوبان أبيضان ، عليه وفرة جعدة إلى انصاف أذنيه ، أشم أقنى ، أدعج العينين ، كثّ اللحية ، أبلج برّاق الثنايا أبيض تعلوه حُمرة ، وعلى يمينه غلام مراهق أو محتلم حَسِن الوجه ، تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها ، فقصدوا نحو الحجر فاستلمه الرّجل ثمّ الغلام ثمّ طافوا بالبيت ثمّ استقبلوا الحجر وقام الغلام إلى جانب الرّجل والمرأة خلفهما فأتوا بأركان الصّلاة مستوفاة فلمّا رأينا ما لا نعرفه بمكّة ، قلنا للعباس : إنّا لا نعرف هذا الدِّين فيكم ، فقال : أجل والله ، فسألناه عن هؤلاء فعرّفنا إيّاهم ثمّ قال : والله ما على وجه الارض أحد يدين بهذا الدِّين إلاّ هؤلاء الثلاثة ، ورُوِيَ مثله عن عفيف بن قيس » (27) .
4 ـ وعن الامام جعفر بن محمّد الصادق (ع) قال :
« كان عليّ (ع) يرى مع النبيّ (ص) قبل الرسالة الضوء، ويسمع الصوت » (28).
إنّ هذا الاحساس العلوي المميز بعمق التحوّلات الغيبية الّتي تجري لرسول الله (ص) تكشف عن كيان روحي خاصّ لا يختصّ به غير الانبياء (ع) ، إلاّ أنّ ختمَ النبوّة بمحمّد (ص) اقتضى أن يكون عليّ (ع) وزيراً للنبوّة : فقد ذكر أصحاب السّنن بأسانيدهم عن النبيّ (ص) مخاطباً عليّاً (ع) ما يلي :
« أنتَ منِّي بمنزلةِ هارونَ مِنْ موسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بَعدي » (29) .
وقد أشرنا إلى ما ذكره عليّ (ع) نفسه في خطبته القاصعة حين سأل الرسول (ص) عن رنّة الشّيطان ، حيث أجابه النبيّ (ص) :
« إنّك تسمعُ ما أسمعُ وترى ما أرى إلاّ أنّك لستَ بنبيٍّ ، ولكنّك وزيرٌ ، وإنّك لعلى خير » (30) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com