اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
أوّل المؤمنين
حين تلقّى الرسول (ص) بيان التكليف الالهي بحمل الرسالة ، عاد إلى بيته فأطْلَعَ عليّاً (31) (ع) على أمره ، فاستقبله بالتصديق واليقين ، كذلك فعلت خديجة الكُبرى ، فانبثق من أجل ذلك أوّل نواة لمجتمع المتّقين في الارض . على أنّه يجدر بنا ، أن نَعِيَ أنّ عليّاً (ع) لم يَدْعُهُ الرّسول (ص) إلى الاسلام كما دعا غيره فيما بعد أبداً، لانّ عليّاً (ع) كان مسلماً على فطرة الله تعالى، لم تصبه الجاهلية بأوضارها ، ولم يتفاعل مع شيء من سفاسفها، وكل الّذي كان : أن عليّاً (ع) قد أطلعه الرسول القائد (ص) على أمر دعوته ومنهج رسالته ، فأعلن تصديقه وأيقن بالرسالة الخاتمة ، وبادر لتلقي توجيهاته المباركة تلقي تنفيذ وتجسيد ، ولهذا يقال (كرّم الله وجهه) . فإنّ عليّاً (ع) كان مؤهّلاً ـ كما بيّنا في مطلع الحديث ـ لاتِّباع رسول الله (ص) في دعوته ، لانّه (ص) كان قدْ أنشأَ شخصيّتَهُ ، وأرسى لَبِناتها الاساسية . ولا نضيف جديداً إذا قلنا إنّ الامام (ع) لم يفاجأ بأمر الدعوة المباركة ، طالما عاش في كنف رسـول الله (ص) وتفيّأ ظلالَهُ ، فالمصطفى محمّد (ص) ـ كما نعلم ـ كان يعبدُ ربَّهُ تعالى وينأى عن الجاهلية في مفاهيمه وسلوكه وعلاقاته قبل أن يتنزّل عليه وحي السّماء ، بأوّل سورة من القرآن الكريم . وعليّ (ع) كان مطّلعاً على عبادة أخيه رسـول الله (ص) وممارساته وتحوّلاته الروحية والفكرية ، فكان يتعبّدُ معه ، وينهج نَهْجَهُ ، ويسلك سبيله في تلك السِّنِّ المبكِّرة من عمره . أمّا حين فاتحه رسول الله (ص) بأمر الدعوة الالهيّة ، فقد لبّى النداء بروحه ووعيه وكلِّ جوارحه ، دون أن يُباغَتَ في الامر ، وإنْ كان هناك من جدّة في المسألة ، فإنّما هي في الكيفية ودرجة المسؤولية الواجب تحمّلها ، أو في تفاصيل الاحكام . وحين بُلِّغ رسول الله (ص) بأمر التكليف الالهي لحمل الدعوة المباركة، بُلِّغ كذلك أن تنصب دعوته أوّلاً على الخاصّة من أهل بيته ، وقد أشار ابن هشام في سيرته لذلك بقوله : « فجعل رسول الله (ص) يذكر ما أنعم الله به عليه ، وعلى العباد به ، من النبوّة سرّاً إلى مَنْ يطمئنُّ إليه مِنْ أهله » (32) . ومن أجل ذلك فاتح عليّاً وخديجة بالدعوة ـ كما ذكرنا ـ وبعدهما زيد بن حارثة ، وبقي أمر الدعوة طي الكتمان لا يعلمه غير هؤلاء ، وبعض الخاصّة من أهل البيت (ع) . وقد أشار الامام عليّ بن الحسين (ع) في حديث له حول إسلام جدّه عليّ بن أبي طالب (ع) بقوله : « ولقد آمن بالله تبارك وتعالى وبرسوله (ص) وسَبَقَ الناسَ كلّهم إلى الايمان بالله وبرسوله وإلى الصّلاةِ ثلاثَ سنين » (33) . ولأسبقيّته في حمل الدعوة أشار الامام (ع) في حديث جاء فيه : « ولم يَجمعْ بيتٌ واحدٌ يومئذ في الاسلام غيرَ رسـول الله (ص) وخديجـة ، وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشمُّ ريح النبوّة » . وبعد أن تخطّت الدعوة مرحلة دعوة الخاصّة من أهل البيت جاءت مرحلة دعوة مَنْ يَتَوَسَّمُ رسول الله (ص) فيهم القبول لدعوته ، فانخرط عدد من الناس في سلك الدعوة ، كان أغلبهم من الشباب ، وكانت لقاءاتهم من أجل قراءة القرآن الكريم ، والتعرّف إلى أحكام دين الله تعالى تتم بصورة سرّية .
|
|