اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
إلى دار الاسلام
وفي خضم الصراع العنيف الناشب بين الدعوة الالهيّة المباركة ، والجاهلية الرّعناء ، فُجِعَ الاسـلام بفقد مؤمن قريش : أبي طالب (رض) فاهتزّ رسـول الله (ص) ألماً للحادث المفجِع، وعلم أنّ قريشاً ستعمل على تصعيد حملتها على الاسلام والمسلمين ، وعلى شخصه الكريم بالذات . وإذا كانت قريش تخشى أبا طالب ومركزه الاجتماعي فيما مضى ، فقد خلا لها الجو بعد موته ، وها هو رسول الله (ص) يفقد سنده الشامخ ، ويُصاب بعده بفاجعة اُخرى لا تقلّ في تأثيرها عليه عن الاُولى ، فقد توفِّيت زوجته الوفيّة خديجة ، حتّى دعا العام الّذي فقدهما فيه «عام الحزن» . وللاهميّة البالغة الّتي يحتلّها أبو طالب في سيرة الحركة التاريخية لدعوة الله تعالى ، صرّح رسول الله (ص) بقوله : « ما زالت قريش كاعّةً ((*)) عنِّي حتّى مات أبو طالب » (40) . وصعّدت قريش بالفعل حملتها على رسول الله (ص) والسابقين من المؤمنين، فاتّجه رسول الله (ص) للبحث عن أرض غير مكّة تستقر عليها دعوة الله ، فتنمو عليها شجرة الهدى ، وراح يتصل بالقبائل ، ويعرض أمره على الناس في أطراف مكّة ، ثمّ زار الطائف ، واتصل بزعماء قبائلها ، فلم يستجب له أحد ذو أثر اجتماعي ، بيد أنّ اليأس لم يتسرّب إلى نفسه ، واستمرّ في عرض نفسه على الناس من خارج مكّة ، حتّى التقى في موسم الحج بنفر من أهل يثرب ، وفاتحهم بأمر الدعوة ، فاستجابوا له ولبّوا دعوة الله ، وعادوا يحملون الكلمة الهادية إلى قومهم . وفي الموسم التالي قدم منهم اثنا عشر رجلاً ، فبايعوه على الايمان وحمل الرسالة ، فأرسل لتعليمهم أحكام دين الله تعالى ، مصعب بن عمير ، فمكث فيهم سنة كاملة ، يدعوهم إلى الله ، ويؤدِّبهم بتعاليم رسالته ، ويقرئهم القرآن الكريم، فدخل الكثير من الناس في الاسلام ، واستجابوا لنداء الدعوة المباركة . وفي موسم الحج حضر منهم إلى مكّة وفد كبير يقوده مصعب بن عمير ، فالتقوا برسول الله (ص) ، وبايعوه على النصرة إن هو هاجر إلى بلدهم . وتنزّل أمر الله يدعو المسلمين إلى الهجرة ، فزحفت مواكب المهاجرين صوب الدار الجديدة ، مخلِّفين وراءهم المال والوطن وعلائق الدم والقُربى . ولئن كانت الدعوة قد أوشكت على الدخول في مرحلة جديدة من مراحل مسيرتها العتـيدة ، فإنّ قريشاً قد اجتمعت في دار الندوة للتشاور بشأن رسول الله (ص) بالذات ، فتوصّل قادتها إلى قرار يقضي باغتيال جماعي لرسول الله (ص) يتولاّه من كلّ قبيلة رجل منها على أن تنفِّذ جريمة الاغتيال ليلاً . وكشف وحي الله تعالى لرسول الله (ص) أوراق الجريمة الّتي أجمعت قريش على اقترافها : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ ) . (الانفال /30)
|
|