اسم الكتاب: الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
3 ـ وفي غزوة الاحزاب :
في غزوة الاحزاب طُوِّقت المدينة بعشرة آلاف من المشركين بشتى فصائلهم ، ونقض بنو قريظة صلحهم مع رسول الله (ص) وانضمّوا إلى صفوف الغزاة ، فتغيّر ميزان القوى لصـالح العدوّ ، وبلغ الذعر في نفوس المسلمين أيّما مبلغ ، فقد زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وزُلزلت نفوس وظنت نفوس بالله الظنـون ـ كما حدّثنا القرآنـ (الاحزاب / 10 ). وبدأ العدوّ هجـومه بعبور عمرو بن عبد وُدٍّ العامري ـ أحد أبطال الشِّرْك ـ الخندق ـ الّذي حفره المسلمون ـ مع بعض رجاله ، فهدّدوا المسلمين في داخل المدينة بل في داخل تحصيناتهم، وراح ابن عبد ود يصول ويجول، ويتوعّد المسلمين ويتفاخر عليهم ببطولته ، ويسـتعلي وينادي : هل مِنْ مبارز ؟ فقام عليّ (ع) وقال : أنا له يا رسول الله . قال رسول الله (ص) : اجلس إنّه عمرو ! وكرّر ابن عبد ود النداء وجعل يوبِّخ المسلمين ، ويسخر بهم ويقول : أين جنّتكم الّتي تزعمون أنّ مَن قُتِلَ منكم يدخلها ، أفلا تبرزون لي رجلاً ؟ ولمّا لم يجبه أحد من المسلمين ، كرّر عليّ (ع) طلبه : أنا له يا رسول الله . فقال (ص) : اجلس إنّه عمرو ! فأبدى عليّ عدم اكتراثه بعمرو وغيره ، قائلاً : وإن كان عمراً !! فأذن رسول الله لعلي (ع) ، وأعطاه سيفه ذا الفقار ، وألبسه درعه ، وعمّمه بعمامته . ثمّ قال (ص) : « اللّهمّ هذا أخي وابن عمّي ، فلا تذرني فرداً ، وأنتَ خير الوارثين » (51) . ومضى عليّ (ع) إلى الميدان ، وخاطب ابن عبد ود بقوله : يا عمرو ! إنّك كنت عاهدت الله، أن لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلّتين إلاّ قبلتها . قال عمرو: أجل . فقال عليّ (ع) : فإنِّي أدعوك إلى الله وإلى رسوله (ص) وإلى الاسلام . فقال : لا حاجة لي بذلك . قال له الامام : فإنّي أدعوك إلى البراز . فقال عمرو : إنِّي أكره أن اُهريقَ دمك ، وإنّ أباك كان صديقاً لي . فردّ عليه الامام (ع) قائلاً: لكنِّي والله أحبّ أن أقتلك، فغضب عمرو، وبدأ الهجوم على عليّ (ع) فصده الامام برباطة جأشه المعتاد ، وأرداه قتيلاً ، فعلا التكبير والتهليل في صفوف المسلمين (52) . ولمّا عاد الامام (ع) ظافراً استقبله رسول الله (ص) وهو يقول : « لَمبـارزةُ عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود ، أفضلُ مِنْ عملِ اُمّتي إلى يوم القيامة » (53) . وبعد مقتل ابن عبد وُدّ بادرَ عليّ (ع) إلى سد الثغرة الّتي عبر منها عمرو ورجاله ورابط عندها (54) مزمعاً القضاء على كلِّ مَنْ تُسوِّلُ له نفسه التسلّل من المشركين ، ولولا ذلك الموقف البطولي لاقتحم جيش المشركين المدينـة على المسلمين ، بذلك العدد الهائل . وهكذا كانت بطولة عليّ (ع) في غزوة الاحزاب أهم عناصر النصر للمعسكر الاسلامي ، وانهزام المشركين .
|
|