سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)


عليّ (عليه السلام) في عهد الخلفاء

فاضت نفس رسول الله (ص) في حِجْر عليّ (ع) (87) ورحل (ص) إلى ربِّه الاعلى ، وهو قَلِق على مستقبل الرِّسالة والاُمّة ، كما يجسِّد ذلك بقوّة قوله (ص) عند زيارته لقبور المؤمنين في البقيع في بداية مرضه الّذي قضى فيه :
« السّلامُ عليكُم يا أهلَ القبورِ ! لِيَهْنئكم ما أصبحتم فيه ، ممّا فيه الناسُ ، أقبَلَتْ الفِتَنُ كَقِطَعِ اللّيلِ المُظْلِم يَتبعُ أَوَّلُها آخرَها » (88) .
وتأكيده المستمر على ضرورة التزام الثقلين : كتاب الله تعالى والعترة الطّاهرة(89) ، لاجل تحصين المسيرة الاسلامية من بعده وعصمتها من الوقوع في الانحراف .
وطلبه في آخر ساعة من حياته أن يُؤتى له بدواة وكتف ليكتب للاُمّة كتاباً لن تضلّ بعده أبداً ، ولكنّه حيل بينه وبين ذلك ، فأوصى بأهل بيته خيراً (90) .
إلى غير ذلك من مصاديق توجّسه وقلقه (ص) على مستقبل المسيرة الاسلامية ، على الرغم من احتياطه لتحصين الاُمّة ووقايتها من الوقوع في الفتنة .
وما أن فاضت نفس رسول الله (ص) واشتغل عليّ (ع) وأهل بيت الرسول (ص) بتجهيزه من أجل مواراة جسده الطاهر في مثواه الاخير، حتّى عقدت الانصار اجتماعاً لها في سقيفة بني ساعدة حضره الاوس والخزرج معاً، ويبدو أنّ الاجتماع المذكور قد عِقَدُ بناء على شعور الانصـار بالخوف على مستقبلهم من قريش الّتي عزمت على صرف الخلافة عمّن عيّنه رسول الله (ص) ، وهكذا كان اجتماع الانصار اجتماع القلق على مصالحهم بعدما شهدت التحرُّك القرشي العنيف لابعاد عليّ بن أبي طالب (ع) عن موقعه الطبيعي في قيادة الاُمّة وتصدِّي الزعامة القرشية لرسم خريطة المستقبل، الامر الّذي يقلق الانصـار كثيراً بسبب مواقفها في كسر شوكة قريش أيّام النبيّ (ص)، وقد استثمر هذا الاجتماع من قبل قريش، فحقّقت هدفها المخطط بطريقة أميل إلى العنف ـ كما يتّضح من أحداث السقيفة (91) .
وبعد مناقشات حادّة وطويلة سادها جوّ من التوتّر والقلق والعنف والخلاف بادر عمر اابن الخطاب إلى بيعة أبي بكر بالخلافة (92) وطلب من الحاضرين ذلك ، ولم يكن عليّ (ع) على علم بما حدث ، ولكن النبأ قد انساب إلى مسامعه من خلال الضجيج الّذي أحدثه خروج القوم من السقيفة ، وهم في طريقهم إلى المسجد النبوي.
وحتّى تلك الساعة لا زال عليّ وأهل البيت (ع) مشغولين بتجهيز فقيد الاُمّة العظيم رسول الله (ص) إذ ظلّ جثمانه الطاهر ثلاثة أيّام(93) دون دفن ليتسنّى للمسلمين توديعه والصّلاة عليه .
ولعدم قناعة الامام (ع) بما جرى ظلّ مؤمناً بحقِّه في الخلافة واعتزل الناس وما هم فيه ستّة شهور ، ولم يسمع له صوت في ما يسمّى بحروب الردّة ولا سواها (94) .
ولقد استجدّت اُمور وأحداث خطيرة هدّدت الاسلام واُمّته بالفناء ، فقد قوي أمر المتنبِّئين بعد وفاة رسول الله (ص) واشتدّ خطرهم في الجزيرة العربية من أمثال : مُسيلَمة الكذّاب ، وطلحة بن خويلد الافاك ، وسجا بنت الحرث الدجّالة وغيرهم وصار وجودهم يشكِّل خطراً حقيقياً على الدولة الاسلامية .
واشتدّ ساعد المنافقين وقويت شوكتهم في داخل المدينة، وكان الرومان والفرس للمسلمين بالمرصاد (95) .
هذا بالاضافة إلى ظهور التكتّلات السياسية في المجتمع الاسلامي على أثر بيعة السقيفة .
ولقد تعامل الامام (ع) مع الخلافة حسب ما تحكم به المصلحة الاسلامية حفظاً للاسلام وحماية للجماعة الاسلامية من التمزق والضياع ، وتحقيقاً للمصالح الاسلامية العليا الّتي جاهد من أجلها .
وللامام عليّ (ع) كتاب بهذا الصدد جاء فيه :
« فأمسكتُ يدي حتّى رأيتُ راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام ، يدعون إلى محق دين محمّد (ص) ، فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً ، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل ، يزول منها ما كان ، كما يزول السّراب أو كما يتقشّـع السـحاب ، فنهضتُ في تلك الاحداث حتّى زاحَ الباطلُ وزهقَ واطمأنَّ الدِّين وتَنَهْنَه » (96) .
بيد أنّ صوت عليّ (ع) كان يعلو عندما يُستشـار ، ويجهر عندما يُسـتفتى ، وقد تصدّى ـ في هذا المضمار ـ لتوجيه الحياة الاسلامية ، وفقاً لما تقتضيه رسالة الله تعالى في الحقول التشريعية والتنفيذية والقضائية .
ومن أجل ذلك فإنّ الباحث التاريخي في حياة الامام (ع) لا يلبث إلاّ أن يلتقي مع مئات المواقف والاحداث ـ في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ـ الّتي لا تجد غير عليّ (ع) مُدبِّراً لها ومعالجاً وقاضياً بأمر الشريعة فيها .
والخلفاء الثلاثة لم يَرَوا بُدّاً من استشارته إذا التبست عليهم الاُمور ، وهكذا تجده مرّة مُرشداً إلى الحكم الاسلامي الصحيح في أمر ما ، ومرّة تجده قاضياً في شأن من شؤون الاُمّة ، واُخرى موجِّهاً للحاكم الوجهة الّتي تحقِّق المصلحة الاسلامية العُلْيا .
وبمقدورنا أن نلمس دوره الرسالي ذلك إذا طرحنا بعض مفردات منهجه المُتبنّى أيّام الخلفاء الّذين سبقوه :

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com